الإنسان الكامل عند ابن عربي

“اعلم أن العالم كله لولا الإنسان الكامل ما وُجد، وأنه بوجوده صح المقصود من العالم الحادث بالله، والوجود الحادث الذي هو على صورة الوجود القديم، فإن العلم بالله ـ المُحدَث ـ الذي هو على صورة العلم بالله ـ القديم ـ لا يتمكن إلا لمن هو في خلقة على الصورة، وليس إلا الإنسان الكامل، ولهذا سمي كاملا، وأنه روح العالم، والعالم مسخر له علوه وسفله، وأن الإنسان الحيوان من جملة المسخر له، وأنه يشبه الإنسان الكامل في الصورة الظاهرة، لا في الباطن من حيث الرتبة، كما يشبه القرد الإنسان في جميع أعضائه الظاهرة..”، جاءت كلمات ابن عربي هذه لتوضح مفهوم الكمال الذي لا يبدأ إلا من معرفة الإنسان بذاته، فيقول أن أولى درجات الكمال هي معرفة الإنسان بنفسه ومن معرفته بنفسه تأتي معرفته بربه.
ولما عرف الإنسان نفسه وربه، سيعرف أنه جاء على صورته استنادا لقول النبي: “إن الله خلق آدم على صورته” أو لقوله: “كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِيْ يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِيْ يُبْصِرُبِهِ”، ويفسر ابن عربي هذا قائلا: “الإنسان الكامل مِثْلٌ من حيث الصورة الإلهية، ضد من حيث إنه لا يصح أن يكون في حال كونه عبدًا ربًّا لمن هو له عبد، خلاف من حيث إن الحق سمعه وبصره وقواه، فأثبته وأثبت نفسه في عين واحدة..” ومن ثم يكون الكمال.
جعل ابن عربي مِن البشر مَن هو إنسان كامل ومَن هو إنسان حيوان، ووجه الشبه عنده بين هذا وذاك أن كلاهما يحرك ويتحرك، لكن الإنسان الحيوان يتحرك ويحرك دون وعي، وهنا فهو مشترك مع الحيوان في عدم التمييز، وذلك بخلاف الإنسان الكامل التي يحرك ويتحرك بدافع فكري وأصل لكل فعل، فيقول ابن عربي عن الإنسان الكامل إنه: “زاد على الإنسان الحيوان في الدنيا بتصريفه الأسماء الإلهية، التي أخذ قواها بدلالة الحق عليها، وأن الإنسان الكامل يخالف الإنسان الحيوان في الحُكْم، فإن الإنسان الحيوان يُرْزَق رزقَ الحيوان، وهو للكامل وزيادة، فإن للكامل رزقا إلهيا لا يناله الإنسان الحيوان، وهو ما يتغذى عليه من علوم الفكر، الذي لا يكون للإنسان الحيوان، والكشف والذوق والفكر الصحيح.. “.
يتخذ ابن عربي من الكمال مسوغا ليكون الإنسان الكامل هو الأحق بخلافة الله على أرضه، فلا خلافة للإنسان الحيوان، فالله لم يخلق الإنسان على صورته ولم يسخر له الكون إلا ليكون بدلاً من الحق، ولهذا سماه خليفة، وما بعده من أمثاله خلفاء له، فالأول وحده هو خليفة الحق، وما ظهر عنه من أمثاله في عالم الأجسام فهم خلفاء هذا الخليفة، وبدل منه في كل أمر يصح أن يكون له، فالإنسان الكامل هو ظل الله في خلقه، ولذلك فالخلفاء خلفاء عن مستخلف واحد.
ويرى ابن عربي أن الله عندما قال: “إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْ‌ضِ خَلِيفَةً..” كان لا بد من أن يعده إعدادا صحيحا ليكون أهلا للخلافة لذلك علمه الأسماء كلها، فيقول ابن عربي عن إعداد الله لإنسانه الكامل: “كل من في العالم جاهل بالكل عالم بالبعض، إلا الإنسان الكامل وحده، فإن الله علمه الأسماء كلها، وآتاه جوامع الكلم، فكملت صورته، فجمع بين صورة الحق وصورة العالم، فكان برزخًا بين الحق والعالم، مرآة منصوبة، يرى الحق صورته في مرآة الإنسان، ويرى الخلق أيضًا صورته فيه، فمن حصل هذه المرتبة حصل رتبة الكمال الذي لا أكمل منه في الإمكان..”.