الأعرج الذي أظهر أننا «مكسحين»

 

تحية العروبة والوطن والتحرير..

أما بعد..

فإن كنتَ تقرأ هذا، فهذا يعني أني قد مِتُّ، وقد صعدت الروح إلى خالقها، وأدعو الله أن ألاقيه بقلبٍ سليم مقبلٍ غير مدبر بإخلاص، وبلا ذرة رياء..

لَكَم من الصعب أن تكتب وصيتك، ومنذ سنين انقضت وأنا أتأمل كل وصايا الشهداء التي كتبوها، لطالما حيَّرتني تلك الوصايا، مختصرةً سريعةً مختزلةً فاقدةً للبلاغة، ولا تشفي غليلنا في البحث عن أسئلة الشهادة..

وأنا الآن أسير إلى حتفي راضياً مقتنعاً وجدتُ أجوبتي، يا ويلي ما أحمقني، وهل هناك أبلغ وأفصح من فعل الشهيد..

كان من المفروض أن أكتب هذا قبل شهورٍ طويلة، إلا أن ما أقعدني عن هذا هو أن هذا سؤالكم أنتم “الأحياء”، فلماذا أجيب أنا عنكم، فلتبحثوا أنتم..

أما نحن أهل القبور فلا نبحث إلا عن رحمة الله..

هل هذه وصية شهيد؟، أم هي شهادة إدانة لأمثالنا؟، إدانة لكل استكانة لهذا الواقع المزرية ملامحه، إدانة لكل استكانة أمام هذا العبث الذي يجري فوق أرض العرب بدون “حراك” يدل على أن المثقف العربي لا يزال على قيد الحياة.

هل هي شهادة أم وصية، كتبت بمداد البلاغة وفصاحة البيان؟

وهل هناك أبلغ وأفصح من فعل الشهيد؟

**

باسل الأعرج كاتب هذه الوصية، صاحب العمر القصير، الذي قضاه معنا في الدنيا، صعد في محطته الأخيرة إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر، بعد أن أنهى حياته الدنيا كما أحب، اختار الشهادة فاختارته، آمن بشعبه وأمته فاحتضنته في قلبها لحظة صعدت روحه إلى بارئها، وترك لنا السؤال المقيم، سؤال الشهادة، أبلغ الأعمال وأكثرها فصاحة، ترك لنا مهمة البحث عن أسئلة الاشتباك مع قضايانا، والاشتباك مع عدونا، والاشتباك مع أوضاعنا وواقعنا.

إجابة واحدة قرر أن يشركنا فيها، قدمها بروحه وبحياته التي كانت نموذجا للمثقف المقاوم والمقاتل بالورقة والقلم وبالسلاح وحتى بالاختفاء.!

مثقف فلسطيني عاش عمره القصير مناضلاً ضد الاحتلال بالوعي والمقاومة، بالتعرف على تواريخ الأرض والمقاومين، بحفظ تضاريس المكان الفلسطيني وتواريخ المقاومة والمقاومين على كل شبر من أرض الله المباركة، اعتقلته أجهزة السلطة الوطنية الفلسطينية، وطاردته أجهزة سلطة الاحتلال الإسرائيلي.!

ليس مهما هو ابن أي قرية فلسطينية فهو ابن الأرض كلها، وليس مهماً أن نعرف أنه حصل على شهادته العليا في الصيدلة، فكثيرون منا لهم على حوائط منازلهم شهادات عالية من مختلف الكليات، والتخصصات، ولكنه هو الذي جعل لكل شيء في حياته القصيرة معنى وهدفاً ودوراً يؤديه راضيا ومحباً ومخلصاً.

ليس مهماً أن نعرف إلى أي حزب انتمى، ولا في أي جماعة كان منظما، لأنه مثَّل النموذج الجامع لكل المقاومين على أرض فلسطين، لم يفرق بين فتحاوي أو حمساوي أم جبهة شعبية، لم يكن مُهماً عنده إلى من ينتمي الفلسطيني، المهم أن يكون من فصائل المقاومين، كرَّس  ثقافته الواسعة لمقاومة الاحتلال بكل الأشكال، بالتدوين والمقالات الداعمة للمقاومة الفلسطينية، ودعا بوعيٍ إلى مقاطعة المحتل في الداخل والخارج، وعمل على مشروع لتوثيق أهم مراحل الثورة الفلسطينية منذ ثلاثينيات القرن الماضي ضد الاحتلال البريطاني، وصولا إلى الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وكان ينظم رحلات للشباب لتوثيق أهم مراحل الثورة الفلسطينية.

عرف باسل الأعرج كأحد أبرز الناشطين الفلسطينيين في المظاهرات الشعبية والحراك الثقافي الفلسطيني، وتصدّر المظاهرات الشعبية الداعمة لمقاطعة إسرائيل، والمنددة بالاستيطان، لم يحبطه واقع الانقسام، ولا هو أوقف نضاله اليومي بدعوى البحث عن الإجماع الوطني، رأى أن مجموع النضالات الفردية يمكن أن تقفز فوق الانقسامات التنظيمية، والولاءات الحزبية الضيقة، وحين اختفى عن الأنظار في شهور حياته الأخيرة كان قد اختار الشهادة وهو يعلم أنها مصيره المحتوم رافضاً الخيارات المرة التي فرضت عليه، فاختار الشهادة على الاعتقال في سجون السلطة الفلسطينية أو في سجون سلطة الاحتلال.

اشتبك باسل الأعرج مع واقعه، وظل في حالة اشتباك بالوعي والمقاومة حتى آخر لحظة في حياته حين كان اشتباكه الأخير في مواجهة غير متكافئة مع قوات الاحتلال التي سعت إليه في مخبأه وظل يقاومهم لمدة ساعتين، وبعد نفاد ذخيرته، اقتحمت قوات الاحتلال المنزل الذي كان يتحصن فيه وقتلته وسط أقلامه وكتبه واختطفت جثمانه.

“إذا أردت أن تكون مثقفاً فلابد أن تكون مثقفاً مشتبكاً، وإذا قصرت في الاشتباك فلا فائدة منك ولا فائدة من ثقافتك”، هذه الجملة تناقلها عنه الفلسطينيون، وهي تحكي جوهر المناضل المقاوم عند باسل الأعرج، وكأنها الاختصار المفيد لمسيرة رجل اختار الاشتباك مع واقعه وعدم الانعزال عما يجري فيه بحجج المثقفين الواهية التي تعزلهم في بروجهم بعيداً عن الناس وعن قضايا الناس وعن التأثير في مجرى الحياة.

سار إلى حتفه راضياً مقتنعاً بعد أن وجد أجوبته، يا ويلينا، ما أحمقنا، وهل هناك أبلغ وأفصح من فعل الشهيد.

حياة قصيرة (31 عاما) ونهاية تليق بهذه النوعية من الرجال الرجال، تقدم الدرس ببلاغة الفعل وليس بفصاحة الكلمات، تقول إن الأعرج الفلسطيني عرَّى وكشف كساح الكثيرين والكثيرين من مثقفي العرب العجزة.

**