اتفاق السلام المصري الإسرائيلي.. بوابة التطبيع العربي الصهيوني

كان لتوقيع اتفاق السلام الأثر السلبي على جميع الدول العربية والإفريقية، في تحويل دفة الصراع مع العدو الإسرائيلي من الخيارات العسكرية إلى تبني سياسات دبلوماسية كالتطبيع والسلام الوهمي.

نتج عن هذه الاتفاقية العديد من البنود التي كان أهمها إعطاء إسرائيل بعض السيادة وإن كانت محدودة على سيناء، حيث نصَّت المعاهدة على تحديد عدد أفراد الجيش المصري في سيناء، وقسَّمت سيناء إلى ثلاث مناطق طولية: منطقة (أ) في غرب سيناء، وهذه يُسمح فيها للمصريين بقوات لا تزيد على 22 ألف مقاتل، ومنطقة (ب) في الوسط ليس فيها إلا أربعة آلاف جندي من حرس الحدود بأسلحة خفيفة، ومنطقة (ج) في شرق سيناء، وهي ملاصقة لدولة فلسطين المحتلة، وهذه ليس فيها إلا قوات شرطة.

في الوقت نفسه استفادت إسرائيل من معاهدة السلام في التعامل معها كدولة، حيث كانت إسرائيل غير معترف بها دوليًّا قبل هذه الاتفاقية، وكان وجود إسرائيل الدولي محل تساؤل، حيث كانت موجودة فقط في منظمة الأمم المتحدة، وبتوقيع المعاهدة أخذت إسرائيل شرف التعامل معها كدولة، أضف إلى ذلك أن هذه الاتفاقية ألقت بظلالها على العلاقات المصرية الإسرائيلية التي اتجهت إلى التطبيع تدريجيًّا، سواء سياسيًّا أو اقتصاديًّا أو عسكريًّا بعد ذلك.

أوسلو

على الرغم من رفض معظم الدول العربية لاتفاق السلام، وتعليق عضوية مصر في جامعة الدول العربية في الفترة بين عامي 1979 و1989 رفضًا للاتفاقية، إلا أن المعاهدة فتحت الباب أمام الحديث عن التطبيع العربي الإسرائيلي، والتنازل العربي عن بعض الحقوق بحثًا عن سلام وهمي قد تحققه اتفاقيات لا تلتزم بها إسرائيل بالدرجة الأولى، فبعد ما يقرب من 14 عامًا من توقيع اتفاق معاهدة السلام بدأ الحديث عن اتفاقية “إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي”، أو ما تُعرف باسم “أوسلو”، لتكون أول اتفاقية رسمية مباشرة بين إسرائيل ممثلة بوزير خارجيتها آنذاك، شمعون بيريز، ومنظمة التحرير الفلسطينية، ممثلة بأمين سر اللجنة التنفيذية، محمود عباس، وتم توقيع هذا الاتفاق في العاصمة الأمريكية واشنطن، وذلك في 13 سبتمبر عام 1993، بحضور الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، وسمي الاتفاق حينها “أوسلو” نسبة إلى مدينة أوسلو النرويجية التي تمت فيها المحادثات السرّية عام 1991، وأثمرت عن هذا الاتفاق فيما عرف بمؤتمر مدريد.

على نهج اتفاق السلام الذي تنازلت بموجبه مصر عن حقها في فرض السيادة الكاملة على أراضيها، تنازلت فلسطين بموجب اتفاق أوسلو عن حقها في المقاومة المسلحة في مواجهة الكيان الصهيوني، وحقها في السيطرة على كامل أراضيها، حيث نص الاتفاق على أن تنبذ منظمة التحرير الفلسطينية المقاومة المسلحة، أو ما أسمته إسرائيل “الإرهاب والعنف”، وتحذف البنود التي تتعلق بها في ميثاقها كالعمل المسلح وتدمير إسرائيل، كما نصت الاتفاقية على أن تعترف إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية على أنها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، فيما تعترف المنظمة بدولة إسرائيل على 78% من أراضي فلسطين، أي كل فلسطين ما عدا الضفة الغربية وقطاع غزة، كما التزمت منظمة التحرير بحق إسرائيل في العيش في سلام وأمن.

بموجب الاتفاقية تم تقسيم أراضي الضفة الغربية إلى ثلاثة أقسام “أ ، ب ، ج”، وذلك بموافقة منظمة التحرير، حيث اعتبرت أراضي القسم “ج” والتي تشكل 61% من أراضي الضفة لغربية أراض تحت السيطرة المدنية والأمنية الإسرائيلية الكاملة، عدا ما يقطنها من مدنيين فلسطينيين، وتشمل مناطق “ج” كافة المستوطنات الإسرائيلية ومعظم الطرق التي تربط تلك المستوطنات والتي يقتصر استخدامها على الإسرائيليين دون غيرهم، كما تشمل المناطق الاستراتيجية التي توصف بأنها “مناطق أمنية”، وأظهرت الإحصائيات أن عدد سكان المستعمرات قبل توقيع الاتفاق كان لا يتخطى ألف مستوطن إسرائيلي، وصل بعد توقيع الاتفاق إلى 110 آلاف مستوطن.

أما أراضي القسم “ب” والتي تشكل 21 % من الضفة، فالسيطرة المدنية فيها فلسطينية، أما السيطرة الأمنية فتكون إسرائيلية-فلسطينية مشتركة، وتشمل العديد من البلدات والقرى والمناطق الفلسطينية، مع عدم وجود مستوطنات صهيونية فيها، وأما مناطق “أ” التي تشكل 18% من أراضي الضفة فتشمل جميع المدن والمناطق المحيطة بها من أراضي الضفة الغربية، مع مراعاة عدم وجود مستوطنات إسرائيلية، حيث يحظر دخول هذا القسم على الإسرائيليين، وعلى الرغم من عدم وجود نص يسمح بتواجد جيش الاحتلال فيها، إلا أنه يقوم بشن غارات لاعتقال النشطاء الفلسطينيين ومن يشتبه الاحتلال بهم دون أي تعليق من السلطة الفلسطينية.

التنازلات التي تبعت اتفاقية أوسلو، والتي نتجت عن المفاوضات العبثية التي تم إجراؤها بين السلطة الفلسطينية والإسرائيلية خلال السنوات الماضية، دفعت العديد من المراقبين والسياسيين الفلسطينيين إلى تسمية اتفاقية أوسلو بالنكبة الطوعية، فإذا كانت النكبة الفلسطينية عام 1984 قسرية نتجت عن حرب خسرت فيها فلسطين بعضًا من أراضيها تحت مسمى الاحتلال، فقد جاءت اتفاقية أوسلو لتشرعن بها السلطة الفلسطينية ما كسبته إسرائيل في نكبة 1948، لتكون بذلك نكبة طوعية استسلامية مُذلة للشعب الفلسطيني.

وادي عربة

بعد نكبة “أوسلو” أقدمت الأردن على توقيع معاهدة “وادي عربة” مع الكيان الصهيوني وذلك خلال حفل أقيم في وادي عربة بإسرائيل، شمال إيلات وبالقرب من الحدود الإسرائيلية الأردنية، في 26 أكتوبر عام 1994، ووقع المعاهدة من الجانب الإسرائيلي رئيس الوزراء آنذاك إسحاق رابين، ومن الجانب الأردني رئيس الوزراء عبد السلام المجالي، وبحضور الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، ووزير خارجيته وارن كريستوفر، فيما ظهر الرئيس الإسرائيلي عيزر وايزمان والملك حسين في مصافحة تاريخية، لتكون الأردن بهذه المعاهدة ثاني دولة عربية بعد مصر، وثالث جهة عربية بعد مصر ومنظمة التحرير الفلسطينية تطبع علاقاتها مع إسرائيل.

بموجب هذا الاتفاق أصبحت الحدود الإسرائيلية الأردنية مفتوحة لمرور السياح والبضائع والعمال بين البلدين، واستفادت إسرائيل كثيرًا من هذا الأمر، حيث فتحت هذه الاتفاقية الباب على مصراعيه للتغلغل الإسرائيلي في الأردن، والسيطرة عليه اقتصاديًّا، الأمر الذي يهدد بأن يكون للاحتلال نفوذ سياسي في المملكة، وتمثلت آخر المكاسب الصهيونية في الأردن في الاتفاقية التي تم توقيعها في سبتمبر الماضي بين شركة الكهرباء الأردنية وشركة “نوبل إنيرجي” الأمريكية المطورة لحوض شرق البحر المتوسط، لاستيراد الأردن الغاز الطبيعي من إسرائيل مقابل عشرة مليارات دولار لمدة 15 عامًا، ما سيجعل من إسرائيل أكبر مزود غاز للمملكة.

إسرائيل “صديقة”

هذه الاتفاقيات المصرية والأردنية والفلسطينية مع الكيان الصهيوني ساعدت إسرائيل في إقناع باقي الدول العربية بأنها يمكن أن تكون صديقة مُقربة منها، حتى وإن كان ذلك على حساب معاداة دول عربية وإسلامية أخرى، وهو ما يحدث الأن بالفعل، حيث أصبحت العديد من الدول العربية والإسلامية تُقيم علاقات صداقة نوعية وغير مسبوقة مع الكيان الصهيوني، وعلى رأسها السعودية وقطر والبحرين والكويت والإمارات ومصر والأردن وتركيا، وباتت الدول المُعادية للكيان الصهيوني مثل إيران ولبنان وسوريا هي الأعداء للدول العربية.