إن سألوك عن الإرهاب فقل: “أحبوووش”!

تلعب الأنظمة القمعية بورقة الإرهاب على طريقة لاعبي السيرك المهرة، تقذف بها عاليا ثم تؤدي بعض “الشقلبات” والقفزات، لتعود وتلتقطها مرة أخري قبل أن تهوي على الأرض، فيصفق الجمهور لهذا المحترف الذي يجيد فن الأكروبات، مرددا بحرارة: “وإنك لمتمكن”.

حاجة تلك الأنظمة إلى الإرهاب حتمية لإبقائها على قيد الحياة، أشبه باحتياج الرضيع لعلبة لبن أطفال عليها شعار “تحيا مصر”، أو كحلم فقير جائع بـ”كارت الخبز الذهبي”، فالإرهاب عند النظام كورقة “الآس” الرابحة دوما، والقادرة على هزيمة أي أوراق أخرى تنادي بالحرية والعدل والمساواة.

لا تندهش إذن عند استدعاء حديث الإرهاب في كل الخطب والمناسبات واللقاءات الرسمية، فلا حديث عن الحقوق المنقوصة سيشفع، ولا حديث عن المحاسبة سيلقى بالا واهتماما طالما أولادنا يستشهدون بجسارة في حرب ضارية أمام ذاك الغول الجاثم على صدورنا، والمدمر لمستقبلنا وحقنا في أن نحيا “زي خلق الله كما في أوروبا والدول المتقدمة”.

لا أقصد الاستهانة بعدو أحمق يتربص بالإنسانية كلها، وليس بنا نحن فقط، ولكن ما يميزنا عن أي نظام أننا جعلناه كـ”ثعبان موسي”، نلقي به مع كل إخفاق وتدهور، فيلتهم في لحظات كل ثعابين الفساد المستشري والقصور في الأداء والعجز عن إيجاد حلول للأزمات التي تتكاثر وتتسرب وتتشعب، فيصبح الحل الأسهل للأزمة، ليس المعالجة والمصارحة، ولكن.. “تحضير عفريت الإرهاب من القمقم”.

صدقا قال الرئيس في تصريح أخير إن المصريين لفظوا الإرهاب، ولكنه نسي لكثرة مشاغله فيما يبدو أن يكمل العبارة بأن المصريين لفظوا الإرهاب المسلح وإرهاب الدولة أيضا، فعدم تنفيذ القوانين إرهاب، ومحاولة تركيع الدستور لحساب شخصه إرهاب، وتكميم الأفواه إرهاب، والتضليل والإصرار علي الفشل إرهاب، وإجبارنا على طريق لم نختره إرهاب، وإلقاء التهم دون سند إرهاب، والتصالح مع المجرم بلا عقاب إرهاب، وإرغامنا على التفريط في الأرض إرهاب، والدعوة لعبادة الرئيس والالتزام بقرآنه “اسمعوا كلامي أنا بس” هو الإرهاب ذاته، بل وفي أزهى عصوره أيضا.

للإرهاب وجوه كثيرة، ولكن النظام آثر أن يتعامل معه على طريقة “لا تقربوا الصلاة”، رفض عمدا مد الجملة على استقامتها واكتفى فقط بما يناسب ذوقه واحتياجه، دون حتى أن يعبأ بشكوانا أو صراخنا الذي يعلو دويه من شدة الشعور بألم العزلة والتجاهل وفقد الانتماء.

شخصيا، ورغم كل هذه السوءات، فأنا مستعد أن أقف من جديد مع النظام في خندق واحد ضد هذا الشيطان، مقبلا غير متردد ولا خائف، ولكن بشرط أن يضعوا أمامي كل الحقائق كاملة بلا تزييف، وأن يكفوا عن استخدام عبارات ممجوجة مثل “سينا متأمنة ميه ميه”، أو على غرار الجنرال الذي وصف الإرهاب هناك بأنه أشبه بـ”شوية تراب على الجاكت”.

صرت على يقين راسخ أن كلماتي سترتد إلى صدري دون أن تجد صدى أو ردا مقبولا، بل على العكس قد أُتهم بالخوض في “الذات النظامية”، والدعوة لإفشاء أسرار عسكرية، وربما يصبح دمي مهدورا لأنني رفضت الاصطفاف مع الدولة في خطابها البليد الذي يُختصر في أن الإرهاب “وحش وكوخة وابن تييييييت كمان”.

نعم سيادة الرئيس، لو سألت المصريين عن مشاعرهم تجاه الإرهاب، سيقولون لك بمنتهى الصدق وعلى طريقة مسلسلات رمضان: “الإرهاب أحبوووش” ويكررونها 3 مرات، ولكنهم سيطالبونك أولا بمكافحة كل صور الإرهاب، فإن فعلت وجدتهم في الصفوف الأمامية، وإن راوغت سيعرضون عنك استنادا إلى المقولة الشعبية الموجزة: “اللي حضر عفريت الإرهاب هو بس اللي يعرف يصرفه”!