أيهما أولى بالمحاسبة الفساد أم إهدار الموارد؟

رغم أن السؤال قد لا يكون من الصحيح طرحه بهذه الطريقة، فالفساد وإهدار الموارد عرضان لغياب الكفاءة وغياب القانون وهما يكافحان فى الدول الحقيقية بنفس الهمة والعزم، مكافحة الفساد ربما تبدو أمرا صعبا لدى البعض داخل مؤسسة صناعة القرار، حيث يؤكدون أن الفساد فى الدولة ومؤسساتها وصل إلى معدلات تهدد بنية هذه المؤسسات إلى الحد الذي كادت الدولة فيه تشبه بيتا متصدع الأركان مجرد لمس ركن منه قد يهدمه فوق رؤوس الجميع، ورغم أن هذا يبدو عذرا أقبح من ذنب، لذا من حقنا أن نطرح سؤالا آخر هو إذا كانت لا توجد إرادة لمكافحة الفساد أو فتح ملفاته، فماذا عن جريمة إهدار موارد الدولة سواء العنصر البشري الذي لم تقدم الدولة عبر عقود له ما يرفع كفاءته أو يرتقى به مهنيا وسلوكيا وعلميا إلى الحد الذي أصبحت مصر تشكو فيه من أزمة عامة تتعلق بكفاءة المهنيين فى كل المهن، سواء الطب أو الهندسة أو غيرها من الوظائف الفنية إلى الحد الذي دفع العديد من دول الخليج حتى إلى استبدال تلك العناصر بعمالة آسيوية وإفريقية فى بعض الأحيان.
لم تعد برامج تأهيل العنصر البشري فى مصر مناسبة للعصر، سواء فى مراحل التعليم الأولى أو حتى فى برامج التعليم الجامعي أو الفني، وهو ما دفع إلى هجرة العديد من المتخصصين والنابهين فى جميع المجالات، بعدما أصبحت مصر لا تلبي طموحاتهم البحثية أو العلمية، وتحولت البيئة المصرية إلى بيئة طاردة للكفاءات بفعل الفساد والبيروقراطية، وغياب إرادة سياسية جادة تفتح هذا الملف بعيدا عن تصريحات المسؤولين التى لا تقدم أو تؤخر، أو تشكيل الهيئات التى تثقل كاهل الموازنة دون أن تتقدم بالقضية شبرا للأمام.
البنية العلمية الجادة والقرار السياسي الواضح والحاسم والإدارة العلمية كفيلة بإنهاء هذا الأمر، عبر تفعيل هيئات الرقابة على جودة التعليم والتأهيل والتدريب، وبرامج التعاون الفني مع الدول التي أحرزت الريادة فى تلك المجالات لكن من يفعل ؟
هذا على مستوى إهدار العنصر البشري تعليما وتأهيلا ورعاية فماذا عن الموارد المادية؟
المفاجأة التي تكشفها الأرقام أن مصر من بين كل دول العالم حباها الله بكل شىء، فضلا عن المورد البشري الذي لم يجد من يحسن إدارته ويحترم آدميته كإنسان فيوفر له سبل الحياة الكريمة التى تطلق أفضل ما لديه لا تعاني مصر من نقص أى مورد مادي بل على العكس، فقد كفلت لها عبقرية المكان موقعا جغرافيا نادرا، فهى تطل بسواحل طويلة على البحر الأبيض المتوسط في مواجهة أوروبا على الجانب الآخر، وتطل بسواحل أطول على البحر الأحمر في مواجهة قارة آسيا، ويشقها طوليا نهر النيل العظيم الذى كتب لها الريادة ضمن أقدم الحضارات الإنسانية، ورغم تلك السواحل التي لم تستغل وهذا النهر الذي يتواصل الاعتداء عليه ليل نهار، لا زال أكثر من نصف هذا الشعب فقيرا لا يجد قوت يومه، ولازال هذا النظام يعيد تدوير الفقر والجهل والاستبداد في مساحة لا تتجاوز 7 % من مساحة مصر، ويبدو لي ذلك مقصودا فهو لا يريد أن يتمدد بشكل مخطط في بناء مجتمعات عمرانية وصناعية أكثر إنسانية، فقط ربما لأنه لا يستطيع قهرها سوى في مساحة أضيق تؤبد أزماتها وتجعلها تحت السيطرة.
هل يصدق أحد أن مصر تمتلك فضلا عن المورد البشري، ثروة هائلة من المناجم المعدنية والمحجرية، وأن بها ما يقرب من 39 خامة معدنية وغير معدنية تدخل فى بنية جميع الصناعات المعروفة، وهو ما ساهم في تعزيز حضور مصر ضمن خارطة التعدين في العالم بالرغم من تراجع كفاءة الاستكشاف والتشغيل.
تحتل مصر المركز الثالث عالميا في الثروة المحجرية والمعدنية بامتلاكها 4500 منجم بمختلف أنواعها، لا تتحدث عنها أرقام الدولة بشفافية ولا يناقش أحد معايير تشغيلها، وهل تتوافق مع المعايير المعمول بها دوليا أم لا؟ هل تستغل بشكل صحيح؟ هل نسب الشراكة مع الشريك المحلي أو الأجنبي عادلة وتحقق مصلحة الدولة أم لا؟ لدينا مثلا أكثر من 3200 محجر يعملون بدون ترخيص، لا يعلم أحد من يستفيد منهم ويجني عوائدهم ومن يحمي ذلك.
منجم ذهب السكرى مثال واضح على سوء استخدام موارد الدولة، خصوصا فيما يتعلق بالمعادن النفيسة والذي تم اكتشافه عام 1999، وبالرغم من أنه ضمن أهم عشرة مناجم للذهب في العالم، إلا أن التنقيب فيه لم يبدأ إلا بعد 14 عاما وتحديدا فى عام 2009 وهو ما أثار العديد من علامات الاستفهام وقتها.
لدينا 220 منجم ذهب فى مصر لم يتم تشغيل 100 منجم  منهم حتى الآن، لدينا ثروة هائلة من الحديد في الصحراء الشرقية تصل إلى 54 مليون طن، بينما تحتفظ الصحراء الغربية في منطقة العوينات بـ320 مليون طن، وتحتفظ الواحات البحرية بـ330 مليون طن، وتحتفظ أسوان باحتياطي يبلغ 75 مليون طن، أما خامات الرصاص والزنك، فيبلغ الاحتياطي منها 1.5 مليون طن، بينما تحتفظ سواحل البحر الأحمر باحتياطي ضخم من الفوسفات قدر ب 3000 مليون طن، إضافة إلى كنوز أخرى مثل 50 مليون طن احتياطي خام الكوارتز و100 مليون طن أخرى من خامات الفلسبار، ولو حاولنا ذكر المزيد من ثرواتنا لضاقت صفحات الجريدة وليس المقال، نسأل من عن هذه الموارد المهدرة؟ وكيف نقبل من يتحدث عن مصر باعتبارها دولة فقيرة بعد كل ذلك!
صدقونى ليس الفساد مظهر الأزمة الوحيد، بل الأخطر هو إهدار الموارد الذي يشكك في أهلية صانع القرار للنهوض بمهمة إدارة هذا البلد الغني جدا، وهو ما أغرى الجميع بنهبه عبر العصور، مصر تستحق الأكفأ والأقدر على مكافحة الفساد والأهم حسن توظيف الموارد،
فلا تكفروا بأنفسكم ولا بوطنكم، مصر لم ولن تفشل، لكن الفاشل هو من يتصدى لحكم هذا البلد وهو لا يعرف سوى حراسة الفساد وإهدار الموارد، ثم يعرف بما لايعرف مدعيا بوقاحة أن مصر فقيرة.