ميدان المساجد.. حكايات أولياء الله

فوتوغرافيا: أحمد عماد

في “بحري” ، ذلك الحي العربي القديم، وعلى بعد خطوات قليلة من الميناء الشرقي، تشير الكثير من المآذن والقباب العالية الصفراء، في مشهد لا يتكرر كثيرا في الإسكندرية، إلى السماء وترشدنا دون عناء إلى ميدان المساجد.

تاريخ الميدان

في منتصف ثلاثينيات القرن العشرين أمر الملك فؤاد بإنشاء ميدان المساجد بعد أن أمر بإقامة مسجد جديد يليق بأبي العباس المرسي، قبل ذلك كان يشغل تلك الساحة مسجد قديم لأبي العباس بُني في القرن الثامن عشر، هو ومسجد الإمام البوصيري والكثير من مقامات أولياء الله الصالحين إضافة لمقابر الأنفوشي التي تعود للعصر البطلمي.

%d8%a7%d8%a8%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a8%d8%a7%d8%b3-15

سيدي المرسي أبو العباس

بمجرد عبورك لبوابة السياج الحديدي المحيط بمجمع المساجد يطالعك مسجد سيدي المرسي أبو العباس بقبابه الأربعة ومئذنته العالية وزخارفة الإسلامية المطعمة ببعض التأثيرات الأوروبية. افتتح المسجد الحالي عام 1943 وهو من تصميم المعماري الإيطالي ماريو روسي.

سيدي أبو العباس المرسي صاحب الضريح داخل المسجد هو  الإمام شهاب الدين أحمد بن عمر بن علي الخزرجي الأنصاري، ولد في مدينة مرسيه في الأندلس عام 616هـ. جاء من تونس إلى الإسكندرية في عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب بصحبة شيخه أبو الحسن الشاذلي مؤسس الطريقة الشاذلية. تزوج سيدي المرسي من  ابنة شيخه، وأنجب منها محمد وأحمد وبهجة كما خلف أستاذه في شياخة الطريقة الشاذلية. ومن تلامذة أبو العباس المرسي الإمام البوصيري وسيدي ياقوت العرش وابن عطاء الله السكندري.

%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%88%d8%b5%d9%8a%d8%b1%d9%8a-4

سيدي البوصيري

في طرف الميدان الشرقي، أمام مسجد أبو العباس، يقع مسجد الإمام البوصيري أو “سيدي الأباصيري ” كما ينطقها أهل المدينة. يتميز المسجد بقِدمه بين المساجد الأخرى كما يتميز بطرازه المعماري غير المتكرر في الإسكندرية بباحته الداخلية المكشوفة “صحن المسجد”  والميضه الدائرية التي تتوسط تلك الباحة وتحيط بها الأروقة من جميع الجهات، والجزء الآخر يشمل حرم المسجد، وله بابان، واحد من تلك الباحة والآخر من الشارع الخارجي.

تزين أبيات قصيدة البردة جدران المسجد وجدران حجرة الضريح، كما يتميز المسجد ببئر قديم يؤدي إلى صهريج أسفل المسجد كانت تحفظ به المياه، كما كان متبعا في المدينة قديما، والإمام البوصيري هو شرف الدين محمد بن سعيد بن حماد الصنهاجي البوصيري المولود بقرية دلاص بصعيد مصر عام 608 هجريا لأسرة ترجع جذورها الى قبيلة صناجة الأمازيغية في بلاد المغرب. لقب بالبوصيري نسبة لمدينة بوصير في صعيد مصر. تتلمذ علي يد أبو العباس المرسي واشتهر بقصيدته في مدح الرسول والمشهورة باسم ” البردة “. وتوفي عام 695هجريا.

______-____________-9

سيدي ياقوت العرش

في الجانب الغربي من الميدان يقع مسجد سيدي ياقوت العرش .. لا يختلف المسجد كثيرا من الخارج عن مسجد أبي العباس وإن كانت مساحته أصغر. وياقوت العرش هو أحد تلاميذ أبو العباس جاء من الحبشة ولزم ابو العباس كخادم وتلميذ له. سمي ياقوت لأن فتات الخبز تحول في يده إلى ياقوت، كما يشاع، ولقب بالعرشي لأنه، بحسب الحكايات الشعبية، سمع آذان حملة عرش الرحمن. تزوج بهجة ابنة المرسي وحفيدة الإمام أبو الحسن الشاذلي.

%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a8%d8%b9-%d9%85%d8%b4%d8%a7%d9%8a%d8%ae-2

السبع مشايخ

أمام مسجد سيدي ياقوت العرش وعلي يمين مسجد المرسي أبو العباس هناك حجرة واسعة نسبيا، بنيت بنفس طراز المسجدين وفوقها قبة واحدة صفراء، يطلق عليها الناس ” السبع مشايخ” . وفي داخل الحجرة صفان من الأضرحة كل صف به ست أضرحة إضافة لمقام بين الصفين أعلى وأكبر حجما دفن به كما يقال ثلاثة من أبناء الإمام علي زين العابدين بن الحسين حفيد رسول الله وهم سيدي محمد صلاح الدين ومحمد سعود وسيدي محمد المنقعي ومن بين أصحاب الأضرحة الإثني عشر عبد الملك الجويني إمام الحرم المكي وابن وكيع الشهير بأبي نواتير.

%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%88%d8%b5%d9%8a%d8%b1%d9%8a-1

عائلة سيدي إبراهيم الدسوقي

خلف مسجد ابو العباس من الجهة الشرقية يقع مسجد صغير به ثلاثة أضرحة هي للعارف بالله سيدي أبو الفتح خال سيدي ابراهيم الدسوقي وضريح السيدة فاطمة الشهيرة برقية أم سيدي ابراهيم الدسوقي وخادمهما العارف بالله سيدي علي بركات. غير بعيد من المسجد الصغير بالجهة الجنوبية حجرة صغيرة بقبة خضراء وجدران صفراء وعدة أبواب هي مقام السيدة مندره عمة إبراهيم الدسوقي.

%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%af%d8%a9-%d9%85%d9%86%d8%af%d8%b1%d9%87

بركات الأولياء

تنسج الحكايات الشعبية الكثير من القصص الإعجازية لهؤلاء الأولياء، بين شافٍ وواهبة نسل ونصير للضعفاء. بعيدا عن تأييد أو رفض هذه الحكايات لكن هناك حس روحاني يسري في المكان، كأن ملايين الدعوات التي رفعت إلى الله فيه قد مدّت حبلا من نور يصل بين الأرض والسماء، أو أن الأولياء الصالحين وكراماتهم التي لا تتحقق إلا بإذن الله هي قوة خفية تساعدنا على تقبل ضعفنا الإنساني، وتحضنا علي المحبة والتسامح والسلام.