لا تتركوا السيسي يبتسم

(1)
إغضب، تَشاءَم، إلعن… لكن لا تيأس.

(2)
عندما كتبت هذه العبارة في ختام أحد مقالاتي قبل شهور، كنت أخشى من نجاح دولة الأشلاء العميقة، في تصدير “زبالتها” السياسية والاقتصادية إلى معنوياتنا، لإصابتنا بإحباط مقصود، وكنت أعلم أنها تخطط لجرنا إلى الخلاء القاحل، بعيدا عن جبهات المعارك الحقيقية، والدوران بنا في متاهات مصنوعة سلفا، أو موجودة بالصدفة، حتى نعاني من أعراض الإجهاد السياسي والفكري والمعنوي، فنستسلم، مقتنعين أنْ ليس بالإمكان أفضل مما كان.

(3)
الآن، وقبل عام واحد من انطلاق الانتخابات الرئاسية، يبدو السيسي “زعيما من وهم”، و”أسداً من ورق”، فقد أنقذ الناس من الرمضاء، ثم ألقى بهم في النار.. الواد أبو عشرين جنيه لم يعد يرفع سكينة الكهرباء، لكن السيسي رفع أسعارها إلى الحد الذي يشوي الفقراء على سطح صفيحه الساخن، وطوابير الوقود اختفت إلا قليلا، لكن الوقود نفسه صار في حالة جفاء مع مرتبات البسطاء ومداخيلهم، الأسعار تضاعفت، وبعدها تجاوز ثلاثة أضعاف في زمن قياسي أفقد الناس قدرتها على استيعاب ما يحدث، وأفقدها أيضا فرصة الرد على هذا الجشع والجنون.

(4)
مرت ثلاثة أعوام (إلا قليلا) على السيسي رئيسا، كانت في معظمها عليه، وليست له، الأسد المنقذ، صاحب التفويض الشعبي الجارف، استهلك معظم رصيده الجماهيري في قضايا خاسرة، ودفع من قلوب الناس ثمنا باهظا للوعود التي قطعها على نفسه ولم يف بها، للآمال التي بشر بها الشعب المنهك، ولم يحقق منها إلا مزيد من الأعباء والمطالبة بالتحمل والصبر، وبرغم ذلك الفشل كله، يمكن للسيسي أن يجلس على مقعده الوثير في الاتحادية، يسند ظهره بعظمة، وينظر إلى الثريا الفاخرة المتدلية من السقف.. ويبتسم، فليس هناك شارع يؤرقه، وليس هناك أحزاب تضغط عليه بإصلاح، وليس هناك برلمان يحاسبه، وليس هناك مؤسسات تنازعه في دولة الفرد الواحد، وليس هناك مرشح محتمل يجبره على القلق من ترك القصر، أو يدفعه للتفكير في إرضاء شعب طيب من الناخبين المبرمجين سلفاً.

(5)
تزعجني حالة الإحباط العام التي أصيب بها الشارع السياسي كله (أحزابا وأفراد)، وهي في ظني حالة غير واقعية، يدخلها الناس بلا تخطيط، ويخرجون منها بلا اتفاق، لكننا لا يجب أن نجلس على أرصفة الزمن وننتظر أن يفيق الشارع (بالمصادفة أو استجابة لحادث ما)، بينما النظام الحاكم يرتب، ويخطط، ويواصل الخطوات على طريقة التمكين لعصابة الفساد والتبعية، التي تحكم بالنار والحديد في الداخل، وبالطاعة والخنوع في الخارج، حتى لو تجاوزت هذه الطاعة حدود التبعية المشينة إلى عار الخيانة الصريحة، والتفريط في أرض الوطن ومستقبله.

(6)
إن تأمل ما حدث في قضية “تيران وصنافير” وتبعاتها في نقابة الصحفيين، وقمع التظاهرات، وزج المعارضين في السجون، وتدجين الإعلام، تواكب مع تمرير شروط صندوق النقد الدولي، بكل ما جلبته من خراب، دفع ثمنه المواطن البسيط الذي زادت عيشته مرارا فوق مرار، ومع ذلك لم يشعر السيسي بالخطر، ووسوست له أجهزته أن ثورة 11 نوفمبر الملفقة هي المؤشر والمقياس لقدرة الناس على التحرك، ولما لم يحدث شيء، لم يأبه بالمواقف الوطنية في الشارع الغاضب، ولا بمقالات الكتاب المطالبين بعدم التفريط في التراب الوطني، بل ولم يهتز لأحكام القضاء، وبدا “الرئيس المريب” مصمما على مواصلة سياساته الخرقاء، واثقا من الشعب لا يملك أن يملي عليه غير ما يريد.. “ما حدش يقدر يعمل لنا حاجة.. احنا بنفرد في 6 ساعات”!

(7)
رؤية الحال بهذه الطريقة، لا تضعني أمام سؤال سياسي وفقط، بل تضعني أمام سؤال كرامة.. سؤال بطولة (ولا أقول رجولة حتى لا استبعد نصف الوطن).. لكن يمكن أن نكررها على سبيل المجاز باللغة التي يفهمها السيسي وتحدث بها من قبل: ما نبقاش رجالة يا نظام الفساد والعمالة، لو سكتنا على جرائمك في حق التراب والشباب.. ما نبقاش رجالة أيها الرئيس المخادع لو سيبناك تبتسم.. وشعبك يعاني.
وفي المقال المقبل نفكر معا في الحلول العملية، التي تعكنن أعداء الشعب، وتمنع كل من يخدعنا من الاستمتاع بالكرسي الوثير، و”الجعصة” والنجفة، والضحك على مواجعنا.

[email protected]