قراءة في كتاب: العولمة والديمقراطية والإرهاب

في ظل المتغيرات الكبيرة والمتسارعة التي يعيشها العالم في العقود الماضية على كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والمعرفية، ومع صعود كبير للقوى اليمينية المتطرفة في الدول الغربية، وتعالي صيحات القومية والعداء للآخر وتزايد معدلات العمليات الإرهابية، يبدو المشهد العام لبدايات القرن الحادي والعشرين شديد القتامة والتعقيد.

في هذا السياق يحاول المؤرخ البريطاني الشهير إيريك هوبزباوم عبر كتابه “العولمة والديمقراطية والإرهاب” فهم المتغيرات التي يواجهها العالم في القرن الجديد، في ظل ما يفرضه الواقع من أسئلة وتحديات تتعلق بالهوية والعولمة  والحروب ومفهوم الدولة والسياسيات النيوليبرالية وتداعياتها الاجتماعية، ومدى قدرة الديمقراطية بصورتها الحالية على الاستمرار، مشيرًا إلى أنه كي نفهم الواقع وتحدياته ونجيب عن هذه الأسئلة علينا العودة للقرن العشرين بكل ما شهده من أحداث كبرى وتغيرات ضخمة نعيش جزءا كبيرا من تبعتها اليوم.

يضم الكتاب مجموعة من الأبجاث والمقالات المتنوعة، نشرها إيريك هوبزباوم، في الفترة من 1990 إلى 2006، تناقش خمس قضايا رئيسية وهى الحرب والسلم في القرن الحادي والعشرين، وماضي إمبراطوريات العالم ومستقبلها في منظومة العولمة، وطبيعة القومية وسياقها المتقلب، وآفاق الديمقراطية الليبرالية، ومسألة العنف السياسي والإرهاب.

في الفصول الأولى من الكتاب يتتبع هوبزباوم التغيرات التي شهدها القرنان العشرون والحادي والعشرون فيما يتعلق بقضايا الحرب والسلم “لو نظرنا إلى القرن على أنه ابتدأ من سنة 1914، لرأينا قرنًا مشحونًا بحروب متصلة، لم تتخللها إلا فترات قصيرة مرت دون نزاعات مسلحة، فالفترة ما بين 1914 و1945 شهدت حربين عالميتين، وأعقبها أربعون عاما من الحرب الباردة، وسنوات التسعينيات كانت مليئة بالنزاعات في أوروبا وإفريقيا وغربي آسيا ووسطها”، مشيرًا إلى أن التاريخ لم يشهد قرنًا أكثر دموية من القرن العشرين، فقد قدر عدد من قتلوا فيه بسبب الحروب بنحو 189 مليون شخص، بالإضافة لضعف هذا العدد من المصابين.

الحروب في القرن الجديد

يوضح هوبزباوم أن الحروب منذ منتصف القرن العشرين تغيرت كثيرًا نتيجة العولمة والتطور التكنولوجي الكبير وسهولة حصول الأفراد على أسلحة فتاكة ورخيصة، بالإضافة لعدم قدرة الدول على ضبط حدودها، فضًلا عن تفكك الاتحاد السوفيتي وما نتج عنه من انتشار غير مسبوق للأسلحة، ويرصد هوبزباوم مجموعة من الظواهر الجديدة الحاكمة لصورة الحرب والسلم في القرن الحادي والعشرين، ومن أبرزها أن العلميات المسلحة لم تعد حكرًا على الحكومات أو وكلائها الرسميين، كما أن القوى المتصارعة لا تجمع بينها صفات ولا أوضاع ولا أهداف مشتركة، سوى الرغبة في استخدام العنف، بالإضافة لعودة النكبات الإنسانية العامة بما في ذلك التهجير والتطهير العرقي، وتلاشي الخط الفاصل بين النزاعات الواقعة بين الدول والنزاعات الواقعة ضمن حدود دولة واحدة، أي بين الحروب الدولية والأهلية، حيث لم يعد ثمة تمييز واضح بين السلم والحرب “قبل حرب العراق عام 2003، لم يكن وصفي “الحرب” أو “السلام” ينطبق على الوضع في العراق الذي كان يتعرض لقصف شبه يومي منذ حرب الخليج من قوات أجنبية، كما أن أيًا من الوصفيين لا يصدق على العلاقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين”، مشيرًا إلى أن الظاهرة الأكثر شيوعًا وخطورة هى عدم التمييز في الحرب بين المقاتلين وغير المقاتلين “تحول عبء الحرب على نحو متزايد من القوات المسلحة إلى المدنيين، الذين لم يصبحوا ضحاياها فحسب، ولكنهم غدوا هدفا للعمليات العسكرية، فالفرق بين الحربين العالميتين الأولى والثانية كبير، إذ لم يشتمل عدد قتلى الأولى من المدنيين إلا على 5%، في حين ارتفعت هذه النسبة في الحرب العالمية الثانية إلى 36%، أما اليوم، فإن 80% إلى 90% من المتضررين من الحرب هم المدنيون، أضف إلى ذلك أن معاناة المدنيين ليست متناسبة طرديا مع كثافة العمليات العسكرية، فحرب الأسبوعين بين الهند وباكستان كانت في نظر العسكريين مسألة بسيطة لكنها خلفت عشرة ملايين لاجئ، كما أن ما دار من صراع بين الوحدات المقاتلة في إفريقيا خلال التعسينيات ولم يشارك فيه على أكثر تقدير سوى بضعة آلاف مقاتل خلف ما يقرب من سبعة ملايين لاجئ”، ويؤكد الكاتب على كون هذه الظاهرة ليست حكرا على المناطق الفقيرة أو النائية، فإن أثر الحرب على حياة المدنيين يظهر جليًا في سياق العولمة والاعتماد المتزايد للعالم على سبل الاتصالات والخدمات التقنية والشحن والامتدادات، فتداعيات قرار إغلاق الخطوط الجوية الأمريكية مثلا لعدة أيام إثر أحداث 11 سبتمبر كانت له آثار بالغة على الاقتصاد العالمي.

التعايش مع النزاعات المسلحة

يرصد هوبزباوم أيضًا واحدة من الظواهر المهمة التي تشكل ملمحًا رئيسيًا في الحروب في القرن الحادي والعشرين وهى التعايش مع النزاعات المسلحة داخل حدود الدولة الواحدة، “على مر السنوات الثلاثين الماضية، فقدت الدولة احتكارها التقليدي للقوة المسلحة، كما فقدت على نحو متزايد المعنى الأساسي للشرعية، أو على الأقل للأداء المقبول الذي يخول الحكومات بفرض أعباء كالضرائب والتجنيد الإجباري، فآلة الحرب صارت متاحة الآن على نحو واسع للجماعات الخاصة، وقد باتت النزاعات المسلحة داخل الدول أكثر جدية، كما أنها يمكن أن تتواصل لعقود دون أي استشراف للنصر أو التسوية، كما هو الحال في كشمير، وأنجولا، وسريلانكا، والشيشان، وكولومبيا، حتى في الدول القوية المستقرة لم يكن من السهل أن تتخلص الدولة من جماعات مسلحة صغيرة مثل الجيش الجمهوري الإيرلندي في بريطانيا، وحركة إيتا في إسبانيا”.

ويتساءل الكاتب: كيف ستؤثر هذه التغيرات على التوازن بين الحرب والسلم في العقود القادمة؟، مشيرًا إلى أن تركيبة النزاع المسلح وطرق التسويات قد تغيرت تغيرًا كبيرًا، موضحًا أن الدول التي تتمتع باقتصاديات وتوزيع عادل للثروة على السكان ستكون نسبيًا أقل عرضة للاضطرابات الاجتماعية والسياسية من الدول الفقيرة التي ينخر في جسدها قدر كبير من عدم المساواة “تجنب العنف الداخلي المسلح يتوقف على ما تتمتع به الحكومات من قوى وأداء فعال، وما تتسم به من شرعية في عيون الأغلبية من شعوبها، فلا حكومة تستطيع اليوم أن تمني نفسها بشعب مدني غير مسلح، أو بدرجة من النظام العام كتلك التي عرفتها أجزاء كبيرة من أوروبا منذ أمد طويل، كما لا تستطيع أي حكومة اليوم أن تتجاهل أو تستبعد الأقليات المسلحة الداخلية”.

العولمة

يشير هوبزباوم إلى أن التطور التكنولوجي الهائل وسيادة منظومة العولمة التي تفاقمت في نهاية القرن العشرين ومستمرة معنا إلى الآن تركت آثرا ضخما وهائلا، ليس فقط على الحروب وإنما على كافة نواحي حياتنا “أننا نعيش في زمن تسارعت فيه  خطى التاريخ، أو عملية التغير في حياة البشر ومجتمعاتهم وتأثيرهم على البيئة العالمية تسارعا مذهلا، فباتت تتقدم بسرعة تهدد النوع الإنساني والطبيعة معا، وتدفعهم إلى الهاوية”، موضحًا أن التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي نعيشها تسببت في أزمات عديدة  منها “رهاب الأجانب” الذي انتشر في المجتمعات الأوروبية نتيجة الهجرات الكبيرة، وفي ظل تراجع العدالة الاجتماعية وفرص العمل شن الكثير من الأوروبين غضبهم على المهاجرين لأنهم الفئة الأضعف في المجتمع، وقد دعم هذا الهجوم الأحزاب اليمينية المتطرفة، في حين أن حقيقة الأزمة لا تتعلق بالمهاجريين بقدر ما تتعلق بمنظومة العولمة ذاتها والسياسيات النيوليبرالية.

وفي هذا السياق يقول الكاتب “إن العولمة بمحض طبيعتها تنتج نموًا لا توزان فيه، إنها كذلك تبرز على نحو واضح التناقض بين: ما المجالات التي تخضع للعولمة من الحياة المعاصرة كالعلوم والاقتصاد والتطبيقات التقنية، وما لا يخضع للعولمة ولا سيما الدولة والسياسة، فالعولمة على سبيل المثال تؤدي إلى تدفق متزايد للهجرة من المناطق الفقيرة إلى المناطق الغنية، ولكن هذا ينتج توترًا سياسيًا واجتماعيًا”.

الإرهاب

ما يميز كتاب هوبزباوم، بجانب تحليله الدقيق للمتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمعرفية التي شهدها القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، هو عدم وقوعه في فخ التصورات اليمينية المختزلة المنتشرة في العقدين الماضيين، والتي تشير لكون العرب والمسلمين هم مصدر الإرهاب ومنبعه، وفي هذا السياق يوضح هوبزباوم أن العنف السياسي، أو ما اصطلح على تسميته بالإرهاب، تطور عبر ثلاث مراحل ممتدة منذ سبعينيات القرن العشرين حتى الآن..

أولا مرحلة ما سمي بإحياء “البلقنة الجديدة”، والبلقنة هو تعبير يقصد به التجزئة القائمة على استغلال القوميات الصغيرة التي تؤدي في النهاية إلى نشوء دول جديدة مستقلة على حساب منطقة موحدة جغرافيا، ويعود أصل المصطلح إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى، حيث استخدم لوصف التفتت العرقي والسياسي الذي أعقب تفكك الإمبراطورية العثمانية في منطقة البلقان، ويشير الكاتب إلى أن هذه المرحلة كانت قائمة على دعوات قومية ومحاولة مجموعات نخبوية صغيرة الإطاحة بالأنظمة أو تحقيق الانفصال عن طريق عمليات إرهابية كان القصد منها لفت أنظار وسائل الإعلام مثل اغتيال ما سمي بخليفة الجنرال فرانكو عام 1973 على يد جماعة إيتا، أو إختطاف رئيس الوزراء الإيطالي الدو مورو عام 1978 على يد الأولوية الحمراء، ونشطت هذه الحركات أيضًا بقوة في أمريكا اللاتنية.

أما المرحلة الثانية فقد جاءت في نهاية الثمانينات، وكانت بالدرجة الأولى عرقية وعقائدية وتركزت في إفريقيا والمناطق الغربية من العالم الإسلامي وجنوب شرقي آسيا وجنوب شرقي أوروبا، وقد ظهر في هذه المرحلة نموذج في غاية الإرهاب وهو الانتحاري، بالإضافة للاعتماد على الاغتيالات السياسية، وشهدت هذه المرحلة أيضًا ظهور الدور القوى والفعال لوسائل الإعلام، وتحديدًا التلفاز، الذي أصبح يملك قوة تأثير هائلة.

والمرحلة الثالثة التي يبدو أنها سادت في بداية القرن الحالي هى العنف السياسي الممنهج، سواء من الإداراة الأمريكية في ظل الرئيس جورج بوش، أو من خلال تنظيم القاعدة التي عملت كحركة لا مركزية صممت فيها خلايا صغيرة معزولة لتعمل من غير إسناد أو دعم جماهيري كبير، كما لم تتطلب قاعدة إقليمية تنطلق منها، لذلك فإن استمراريتها وقدرتها على المواجهة رغم صغر عدد أعضائها تبدو أقوى وأكثر شراسة.