“فخامته” بعيدا عن الزلط والغلط

(1)
الرئيس المعجزة يمنحني أملا جديدا في الكتابة، ودرساً في الإيمان بيقظة الجماهير، فقد كنت أتشكك في اهتمام الشعب بالقراءة وبالسياسة، وتصورت أنهم فقدوا الحماس في الثورة والدولة والعيشة كلها، بعد أن ارتفعت الأسعار لأقصاها، حتى أن سيادته انتظر “رد الفعل” في 11/11، وكانت النتيجة مبهجة لفخامته وتفويضا جديدا على طريقة: “اعمل فينا اللي تشوفه بنموت في دباديبك”، لكن ردود الفعل على مقالي السابق “فوقتني” من الوهم، لقد قرأت حتى كتابة هذه السطور 296 تعليقا في موقع “البديل” وحده، هذا عدا مئات التعليقات في صفحات التواصل، مش مهم ان معظم التعليقات شتائم صريحة أكثرها أدباً وصلاحية للنشر، من نوع: حاقد وخسيس، خليك أهرى فى نفسك كدة لحد ماهتموت، السيسي هيبتسم غصب عن أبوك يا عرررررة… المهم ان الناس صاحية وبتقرأ، وبتدافع عن أي حاجة، كله يهون عشان خاطر الجماهير العظيمة تفوق وتتحمس، وتغير على بلدها، يمكن مع الوقت والخبرة يتعلموا يدافعوا عن حياتهم ومصالحهم، ويحسوا بحرقة الأسعار، بدلا من حرقة دمهم دفاعاً عن الرئيس وزمرته من آكلي السحت وقوت الغلابة.

(2)
لكن بما إني من “أهل الشر”، و”زبالة” و”خائن” وجبان” و”عميل مزقوق على الأسد حبيب الكل”، فقد أوزعتني نفسي أن أستمر في طريق الضلال والهرتلة، ففي ذلك منافع كثيرة، منها مثلا عكننة الأسياد في قصور الحكم، ومنها “نحررة” أتباعهم “المتشحفتين عليهم” في صناديق التعليق على مقالات المعارضة الخبيثة، ومنها أن نواصل توسيع مجال حريتنا، وممارستها بجرأة، دون خوف من بطش، وأن نناقش أفكارنا في العلن، ليفهم من يفهم، ويناقش من يناقش، ويشتم من يشتم، ليكشف لنا عن عنوان الحظيرة التي تأويه، وأقصد “حظيرة دولة الأشلاء” التي تغري أنصارها بعلف البدن، وتحرم عليهم غذاء العقول.

(3)
أعترف أن بعض الشتامين، ليسوا من الكتائب الإليكترونية المأجورة لحساب نظام “طبللي طَبّل على طبلي.. خليك حنين طبطبلي”، وقد يكونوا أكثر طيبة مني، وأكثر حبا لمصر مني ومنكم، لكنهم أصيبوا بمتلازمة خوف من خطر انهيار الدولة الحامية، والوقوع في دوامة الدم والعنف، والشتات في المخيمات، كما حدث في دول مجاورة، وهو إحساس ثقيل على النفس، وإذا تمكن منها فإنه يمسخ المواطن إلى عبد خانع لأي قوة تحميه، حتى لو فرط في الكثير من رزقه، ومن كرامته، فالأمن غالي الثمن في كل زمان ومكان، ولهذا أوضح أنني لست غاضبا من أي فرد هجر فضيلة الرد العاقل، ومناقشة الرأي بالرأي، واكتفي بالشتيمة، حتى لو كانت بأقذر الألفاظ؛ لأنه سواء فعل ذلك برأيه الحر، أو كعمل نظير أجر، فإنه ضحية لنظام يستفيد من تغييب العقل، ويدعم سلطته وحكمه بالتفريق بين أصحاب المصلحة، فطالما ظلوا شيعا وفرقا ومتحاربين، فلن يقدروا على محاسبته، ولن ينتبهوا أنهم أصحاب الحق، ويسألون عن مستحقاتهم، ولهذا فإن معركتي ليست مع الناس (حتى لو مخطئين) طالما أنهم محكومين، وليسوا حكاما، معركتي مع الحكام.. مع أصحاب القرار.. مع المخادعين الذين يكرهون الدستور والقوانين.. مع اللصوص الذين يسرقون أموال الشعب بكل الحجج والأساليب.. مع الخبثاء الذين يستخدمون أسلوب الاستعمار الحقير “فَرِّقْ.. تَسُدْ”.

(4)
يا إخواني في الوطن.. كفانا خسرانا لحياتنا، واقتتالا كمشجعين للسلطة أو معارضين لها، فنحن لسنا مماليكا لأميرٍ رَبَّانا، ولا عبيداً لسيدٍ اشترانا.. نحن أصحاب وطن، وأصحاب حق، وأهل للكرامة والحرية والشرف، ولهذا فإن العلاقة مع الحاكم يجب أن تتخلص من ثنائية “الزلط والغلط”.. إذا كان الرئيس “حبيبنا” نبلع له الزلط، وإذا كان “حابسنا” نتمنى له الغلط، السيسي لا ينطبق عليه هذا المثل؛ لأنه لا يجلس معك على القهوة، ولا يتعامل معك بشكل شخصي في الحياة، السيسي يصنع سياسات تسعدك وتعود عليك بالخير، أو تتعسك وتضيع مستقبلك ومستقبل أولادك، ولهذا يجب أن نعامل كمدير مسؤول، كسائق ميكروباص، كسباك أو كهربائي في مهمة عمل، إذا أجاد شكرناه، وإذا بوظ الشغلانة، فلا أجر له ولا شكر، ولا استعانة به في أي عمل، بمعنى أن تكرار فشله، يصنع له سُمعة، وسيرة مهنية، حتى لو أصاب شيئا صحيحا بالصدفة في بعض المرات، فالعميان يمكن أن يصيبوا بالمصادفة بعض “الطابات”.

(5)
يحضرني هنا مثال أريد أن أختتم به المقال، وهو جهود جهاز الرقابة الإدارية في ضبط العديد من قضايا الرشوة، ظاهر الأمر أنه اتجاه لمحاربة الفساد وتطهير الجهاز الإداري الحكومي الفاسد، ولنا أن نفرح ببشائر هذا الاتجاه ونساعد على استمراره، لكن علينا أيضا ألا ننخدع ونسلم بأنه يعبر عن رغبة حقيقية في القضاء على الفساد، طالما أن الفساد موجود في التشريعات، ومحصن في المستويات العليا، والمؤسسات السيادية، وهي “عش الدبابير” الذي قضى على المستشار هشام جنينة، لمجرد أنه صدق شعار محاربة الفساد، ولم يفرق بين فساد الصغار وفساد الكبار، فحق عليه العزل والتنكيل، لهذا يا أخوتي الطيبين المدافعين عن نظام شريف تحلمون به في عقولكم، يجب أن تضعوا جهود الرقابة الإدارية في سلة الاحتمالات، قد تكون مدخل للقضاء على الفساد فعلا، وبالتالي علينا أن نسأل عن موازنات البرلمان والمخابرات والرئاسة، ونعرف خريطة توزيع أراضي مصر، وغير ذلك مما نسأل عنه ولا نجد إجابة، وقد تكون مجرد حيلة ظاهرها الشرف، وباطنها جباية مزيد من الأموال، فقد كان سلاطين المماليك يعتقلون أي مملوك يسمعون أن لديه خزائن من الأموال والذهب، لكنهم لم يهتموا أبدا بمنع المماليك من السلب والنهب، فلا تفرح بلصٍ سرق موبايلك ومحفظتك وإداك خمسة جنيه ترّوَح بيها، وتشتم صديق انتقد ذلك “اللص الطيب”!
ولنا عودة.

جمال الجمل
[email protected]