غاية الفن (2-2)

دعونا نتفحص عملا فنيا، لوحة العشاء الأخير على سبيل المثال والتي رسمها الفنان الإيطالي ليوناردو دا فينشي: بإمكاننا النظر لها فقط باعتبارها رسما لمجموعة أشخاص مجتمعين إلى طاولة، لكنها سوف تزيد قيمة وسحرا إذا عرفنا أن وراءها قصة ما وأن هؤلاء الأشخاص هم أناس محددون ولاجتماعهم داعٍ محدد في هذه الصورة، وستزيد اللوحة عمقا من جديد إذا اكتشفنا أن لرسمها بهذا الشكل معنى ما أو رسالة أراد الفنان أن يوصلها لمن يدقق، أما إذا كانت هذه الرسالة سامية نبيلة فإن العمل يقترب أكثر من الكمال. ربما يكون المثال أوضح إذا تناولنا عملا سينمائيا؛ فالعمل كلما لامس الواقع، واحتوى على تفاصيل تحتاج ملاحظتها للتدقيق، ومعنى عميق، ورسالة سامية، سيكون بالتأكيد أفضل من فن مسطح يعتمد على إبراز موهبة الفنانين في الإخراج و التمثيل وإظهار المشاعر، على إعادة تقديم الواقع أو خلق واقع موازٍ لا غير، والأدهى من ذلك أننا تلقائيا نحاول أن نجد معنى لكل شيء وكل عمل حولنا، ولهذا فوجود هذا الفن السطحي منافٍ لفطرتنا!

وفي الجانب الآخر فإن العلم المجرد والتطبيقي يعاني في كثير من الأحيان من الجفاف الفني والإبداعي، ما يجعل تناوله بالدراسة من ناحية المدرس أو المتعلّم، وبالتطبيق تصميما وتنفيذا، في كثير من الأحيان عملية روتينية تصيب الإنسان بالضجر الشديد، خاصة في هذا الزمن حيث نحن محاصرون بالمشتتات والملهيات التي تجيد مداعبة الخيال. ماذا لو صار هذا العلم يعرض بصورة أكثر جاذبية، ماذا لو اتجه للأسلوب التساؤلي التفاعلي أكثر من التقريري، ماذا لو خاطب خيال المتعلمين وحمّسهم لحل الألغاز واستكشاف المجهول؟ ماذا لو تم ربطه بالواقع العملي أكثر بدلا من تقديمه كإطار نظري بدون استشعار فائدته وتطبيقه؟ ماذا لو صيغت عباراته في قالب شِعري أو قُدم في صورة فنية جذابة؟ ألن يختلف كثيرا مدى تفاعل واستمتاع الجميع، بل ونوع المخرج النهائي من هذه العملية: طالب ذو فهم وإبداع بدلا من حامل شهادة محترف تجاوز للامتحانات.

فكر معي للحظة، يمكننا بسهولة أن نرى حولنا كمّ القوالب الإسمنتية الخالية من مظهر جمالي التي صارت تُبنى، بداعي تقليص التكاليف وسرعة الإنجاز! لقد صار الجمال بل واصطباغ منتجات المجتمع ببصمته الحضارية المميزة أمرا مكلفا في هذا الزمان نتيجة للرأسمالية غير العادلة والعولمة التي تلتهم الخصوصية والهوية، وبدلا من أن يكون إنتاج الفن رفاهية لا تتاح إلا لهؤلاء الذين لديهم دخل يعفيهم عن الحاجة للعمل كما اقترح أرسطو أصبح اقتناء منتجات الفن والمحافظة على الجمال ميزة طبقية، والأمر نفسه ينطبق على جودة التعليم وصناعة الوعي والثقافة.
نتيجة للعوامل السابقة حدث تراجع في مستوى الوعي العام والذوق الجمالي، واتساع الهوة بين العلم والفن، وانتشار للبراجماتية والرغبة في الانطلاق والتحلل من العاقبة الأخلاقية، وزاد الاعتياد على القبح المادي والمعنوي، وإنتاجهما! فالبشر يؤثرون في الواقع ويتأثرون به. أصبحت هناك أعمال كل ما تقوم به هو اختيار حالات شاذة من الواقع وتسليط الضوء عليها، حالات تتميز بالتحلل من القيم والحيوانية: شهوة وغضب، جنس ومخدرات وعنف. وهي تدّعي من خلال ذلك الأخلاقية وإلقاء الضوء على المستور، لكن كم من هذه الأعمال تلقي الضوء على حقيقة إذا لم تكن مثيرة للغرائز مغذية لها وجاذبة للجمهور الباحث عن الإثارة، كم من هذه الأعمال تهدف فعلا لإصلاح المجتمع وإفادته لا إلى التربح ماديا ومعنويا من وراء العمل الفني كهدف أساسي؟

في كتابه “السؤال الحائر” يقول د. مصطفى محمود رحمه الله: “لأن الفن سلاح قاتل فلا يصح أن يكون حرًا حرية مطلقة، وحرية الفنان وحرية الفن دعاوى غير صحيحة، فالفنان حر، مسؤول، محاسَب، وكحامل أي سلاح يمكن أن تسحب منه رخصة استعماله إذا أساء هذا الاستعمال.

وإذا كان الفنان يطالبنا أن نحميه فالجمهور القارئ والمشاهد وهم بالملايين لهم هم الآخرون حق الحماية من الإسفاف الذي يعرض عليهم.”

إن ارتباط الخيال والعاطفة بشيء هو ما يحرك الإنسان فعليا نحو السعي لتحقيقه، ونحن نريد مجتمعا متكاملا، مجتمعا يوحي بالجمال ويظهره ويقدّره: نحتاج الآن أكثر من أي وقت مضى لأن يتحد الفن والعلم ليعيدا نشر الجمال في عالمنا، لأن يساعدا على مساهمة نسبة أكبر من المجتمع في صناعة الجمال الفكري والأخلاقي والعلمي والشكلي، من الجميع إلى الجميع، دون تمييز طبقي أو مادي.