عن الفقر والظلم الاجتماعى

بعد صدمة وفاة أخى المفاجأة فى الثمانينات، ذهبت والدتى للعالج عند طبيب كبير للأعصاب فى وسط البلد، كان دكتورا شهيرا وعميدا سابقا لكلية طب قصر العينى، وكان مبلغ الكشف مائة جنيه، وهو مبلغا كبيرا فى تلك الفترة يقابل الألف جنيه أو أكثر حاليا. وذهبت مرة معها لهذا الطبيب، وجدت المرضى يجلسون بالعشرات داخل العيادة وخارجها ويفترشون السلم ومدخل العمارة والرصيف، وأغلبهم فقراء من الصعيد والأرياف، وبالتأكيد جمعوا ثمن الكشف بصعوبة بالغة، بل يمكن أن يكون بعضهم قد أستدان ليكمل ثمن الكشف، هذا غير تكلفة السفر والإقامة فى القاهرة ثم مصروفات شراء الدواء والعلاج والتحاليل، وكل ذلك فى مقابل كشف لا يستغرق أكثر من ثلاث دقائق بالضبط. لكن أكثر ما ألمنى فى هذا اليوم هو طريقة معاملة الممرض اللعين لهؤلاء الغلابة، وقبولهم صاغرين هذه المعاملة وهذا القهر والذل فى سبيل العلاج.

وحدث أن قابلنا فى هذا اليوم إحدى أقارب والدى، وهى سيدة كبيرة فى السن وثرية جدا، يكفى أن أقول أنها قد باعت فى تلك الفترة فيلا كانت تملكها على كورنيش الجيزة بمبلغ ثلاثة ملايين جنيه، وهو مبلغ خرافي بمقاييس هذا الوقت، ودخلت هذه السيدة للكشف قبلنا، ثم خرجت بعد حوالى نصف ساعة لتسلم علينا وتنصرف، لنجد الممرض يجرى خلفها، وعلى وجهه ابتسامة عريضة، ويرد لها مبلغ الكشف كاملا بأمر من الطبيب، لماذا؟ لأن الطبيب الكبير وجد أنه يعرف زوج السيدة الثرية معرفة شخصية، ولا يجوز أن تدفع ثمن الكشف مثل باقى المرضى الفقراء.

كنت فى الثانية عشرة من عمرى، وكانت تلك أول مرة أدرك فيها معنى الفقر والظلم الاجتماعى بشكل ملموس.
فى بريطانيا، إذا شاء إنجليزى أن يصف رجلا فى منتهى الفقر قال إنه “أفقر من فأر فى كنيسة”. وهو وصف بليغ، لأن الفأر لن يجد فى الكنيسة ما يستطيع قضمه وهضمه أو اختزانه فى جحره، بل قد لا يجد جحرا يأوى إليه ويختبئ فيه. وأبلغ من هذا الوصف بكثير هو وصف العرب لمثل ذلك الرجل بقولهم إنه “مدقع”، أو إنه “لا يملك شروى نقير”. فالمدقع هو الملتصق بالدقعاء لفرط ما به من هزال وجوع وفاقة ومذلة، والدقعاء هى الأرض أو التراب، أما النقير فهو الشق الذى فى نواة التمرة. فهل هناك أفقر ممن الصقته الحاجة بالتراب، أو ممن لا يملك من حطام الأرض حتى مثل شق من نواة تمرة؟ فذلك هو الفقر الذى ليس بعده فقر.

من المؤكد أن جميع الفقراء فى مصر ليسوا فأرا فى كنيسة، ولا هم مدقعون، أو من الذين لا يملكون شروى نقير. ولكن من المؤكد أيضا أن فى مصر ملايين من الذين يشبعون يوما ويجوعون أياما، والذين يفترشون التراب ويلتحفون أديم السماء، والذين يستجيرون من البرد بالبرد ومن الرمضاء بالرمضاء، والذين إذا شبعوا يوما فمن خلال التسول والمذلة والاستعطاف. وهناك أيضا من فرغت جيوبهم من المال، وخلت بيوتهم من الطعام، ولكن ما فرغت قلوبهم من الشعور بالكرامة، ولا خلت نفوسهم من الإحساس بالكبرياء. فهم لا يمدون أيديهم للاستجداء والاستعطاف ولا يتمرغون على أعتاب الأثرياء، إلا أنهم يعيشون فى منتهى الفقر، ومن يوم ليوم.

قد يكون الفقر درجات، ولكنه فقرا فى جميع الأحوال. وقد يكون الفقراء أنواعا، ولكنهم فقراء سواء كانوا مدقعين أم كانوا يملكون شروى مليون نقير. فالمهم ليس تصنيف الفقراء مثلما نصنف سلالات الحيوانات، بل المهم ما دمنا لا ننكر وجودهم، أن نحاسب أنفسنا، لعلنا إذا صدقت الكلمات وخلصت النوايا المقرونة بالعمل الجاد أن نمحو هذه الوصمة الكبرى عن جبين مصر، أعنى وصمة الفقر.

الكلام كثير جدا ولكن الثقة بوضعه موضع التنفيذ محدودة جدا، فليس هناك أى بوادر حتى الآن على وجود دولة قوية تتوافر فيها كل الصفات الضرورية التى تؤهلها جديا لعلاج مشكلة الفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية. لا يبدو على الدولة أن لديها الإرادة للتصدى لأصحاب المصالح المضادة لمصالح الفقراء، ولا تبدو عليها القدرة على تنفيذ قانون جديد للضرائب ينصف الفقراء، ولا حتى على تطبيق قانون الضرائب القائم بالفعل، أو أن لديها القوة اللازمة لمعاقبة المتهربين من الضريبة والمرتشين من الموظفين، ولم يصدر عنها أى تعبير عن النية فى وضع خطط اقتصادية طموحة تستهدف تنمية قطاع المشروعات المتوسطة والصغيرة والمتناهية الصغر، أو التصدى الجرىء لمشكلات التعليم والصحة والإسكان. لقد بدت غير قادرة على حل مشكلة طوابير العيش، أو حل مشكلة الصرف الصحى، فكيف نثق فى الوعد بحل مشكلة الفقر؟

إنى لا أقول هذا لإشاعة روح اليأس من إمكانية علاج مشكلة الفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية، بل للتأكيد على أن الفقر مشكلة أخطر من أن تحل بقوانين منفردة، أو بإجراءات محدودة، أو بتعديلات بسيطة فى الميزانية، بينما تترك السياسة العامة للدولة كما هى، إنها مشكلة أخطر من أن تحلها وزارة واحدة تسمى وزارة التضامن الاجتماعى.

إن مشكلة الفقر تحل أولا عن طريق مكافحة البطالة، فالبطالة هى المسبب الرئيسى للفقر فى المجتمع، وتحل أيضا عن طريق رفع مستوى الأجور، وتشجيع الاستثمار الأجنبى، وتأسيس المشاريع الصناعية الإنتاجية الجديدة، والحد من إهدار المال العام فى مشروعات قومية عملاقة لا تدر دخلا مثل مشروع العاصمة اﻹدارية الجديدة، أو مشروع تفريعة قناة السويس الجديدة التى تم حفرها على عجل وبدون دراسة جدوى اقتصادية حقيقية، وكذلك عن طريق مكافحة الفساد بكافة أشكاله، فالسرقة من المال العام تزيد الفقر، لهذا يجب أن تكون قضية مكافحة الفاسدين لها الأولوية القصوى عند الحكومة، فكلما انخفض معدل الفساد كلما انخفض أيضا معدل الفقر فى المجتمع. إن مشكلة الفقر تتعلق بالفلسفة العامة للدولة، وسياستها الاقتصادية العامة، وكلاهما يتعلق بالموقف الأخلاقى للدولة من قضية العدالة الاجتماعية، ونمط التنمية المطلوب، ونوع النهضة المنشودة.