عاصم بن أبي النجود.. مقرئ الكوفة

يصفه الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء بأنه الإمام الكبير مقرئ العصر، أبو بكر الأسدي، الكوفي واسم أبيه بهدلة، مولده في إمرة معاوية بن أبي سفيان.. وقرأ القرآن على أبي عبد الرحمن السلمي، وزر بن حبيش الأسدي، وحدث عنهما، وعن أبي وائل، ومصعب بن سعد، وطائفة من كبار التابعين.

عاصم بن أبي النجود، أحد القراء السبعة الكبار المشتهرين، ولد بالكوفة، وتوفي بها عام 127 هجرية، إمام كبير من أئمة القراءات والنحو، انتهت إليه الإمامة في القراءة بالكوفة بعد أبي عبدالرحمن عبدالله بن حبيب السُّلَمي، فجلس في موضعه، ورحل إليه النَّاس للقراءة، وقد جمع بين الفصاحة والإتقان، والتَّحرير والتَّجويد.. وَأُثِرَ عنه قوله: مَن لَمْ يُحسن مِنَ العربية إلا وجها واحدا لم يُحْسِن شيئا.
وفي قائمة تلاميذ عاصم نطالع أسماء الكبار: أبو عمرو بن العلاء البصري، وحمزة بن حبيب الزيَّات، (كلاهما من السبعة) والخليل بن أحمد الفَرَاهِيدي، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وغيرهم.. ويقول عنه تلميذه أبو بكر بن عياش: قال لي عاصم مرضت سنتين فلما قمت قرأت القرآن فما أخطأت حرفا.. وكان أحسن الناسِ صوتا بالقرآن، حتى كأن في حنجرته جلاجِل.. وقد روى ابنُ سِوَار البغدادي، بسنده عن أبي إسحاق السَّبِيعي قوله: “ما رأيت رجلا كان أقرأ للقرآن من عاصم، ما استثنى أحدا”.

وقد اشتهر عن عام راويان هما شعبة وحفص، فالأول هو أبو بكر شعبة بن عياش بن سالم الحناط الأسدي النهشلي الكوفي، ولد سنة 95 من الهجرة، وتوفي في سنة 193، كان إماما كبيرا عالما عاملا حجة من كبار أهل السنة.. عرض القرآن على عاصم أكثر من مرة، وعلى عطاء بن السائب، وأسلم المقري ، وعمر دهرا طويلا، إلا أنه قطع الإقراء قبل موته بسبع سنين.. ولما حضرته الوفاة بكت أخته، قال لها ما يبكيك؟ انظري إلى تلك الزاوية فقد ختمت فيها القرآن ثماني عشرة ألف ختمة.

والثاني هو أبو عمر حفص بن سليمان بن المغيرة بن أبي داود الأسدي الكوفي البزاز، نسبه إلى بيع البز أي الثياب، ولد سنة 90 هجرية، وتوفي سنة 180، كان ربيب عاصم (ابن زوجته) وأعلم الناس بقراءته أخذ عنه القراءة عرضا وتلقينا.. قال الداني: وهو الذي أخذ قراءة عاصم على الناس تلاوة، ونزل بغداد فأقرأ بها، وجاور بمكة فأقرأ بها.. قال يحيى بن معين: الرواية الصحيحة التي رويت عن قراءة عاصم هي رواية أبي عمر حفص بن سليمان.. وقال أبو هشام الرفاعي: كان حفص أعلم أصحاب عاصم بقراءة عاصم، فكان مرجحا على شعبة بضبط الحروف.

ويختلف شعبة وحفص في روايتهما عن عاصم في عدد كبير من الكلمات، حصرها الإمام ابن مجاهد فقال: بين حفص وأبي بكر من الخلف في الحروف خمسمائة وعشرون حرفا في المشهور عنهما.

أما تفسير هذا الاختلاف فيبينه حفص نفسه فيقول: قلت لعاصم إن أبا بكر بن شعبة يخالفني في القراءة، فقال: أقرأتك بما أقرأني به أبو عبد الرحمن السلمي عن علي رضي الله عنه، وأقرأت أبا بكر بما أقرأني به زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
ويرى أكثر العلماء أن حفص كان أتقن من شعبة وأثبت، فيقول الذهبي: هو في القراءة ثقة ثبت ضابط.. ويقول ابن المنادي: قرأ على عاصم مرارا، وكان الأولون يعدونه في الحفظ فوق أبي بكر بن عياش، ويصفونه بضبط الحروف التي قرأها على عاصم، وأقرأ الناس به دهرا طويلا .

قال الإمام الشاطبي في حرز الأماني: وبالكوفة الغرَّاء منهم ثلاثةٌ… أذاعوا فقد ضاعت شذا وقرنفلا.. فأما أبو بكر وعاصم اسمه… فشعبةٌ رواية المُبرِّزُ أفضلا… وذاك ابن عياشٍ أبو بكرٍ الرضا… وحفصٌ وبالإتقان كان مفضلا.

ومن أمثلة الفروق بين شعبة وحفص، أن الأول يدغم الذال في التاء في ألفاظ الاتخاذ كلها، في جميع القرآن مثل: (اتخذتم – أخذتها- اتخذت)، وحفص بالإظهار، وكسر شعبة حرف الباء في كلمة “البيوت” كيف جاءت وحيث وقعت في جميع القرآن، وحفص بضمها، وقرأ شعبة كلمة “زكريا” بهمزة بعد الألف “زكرياء” في جميع القرآن، وكسر العين من لفظة “العيون” حيث وقعت، وكذلك كسر الغين من لفظة “الغيوب” وقرأ حفص بالضم فيهما.. كما قرأ شعبة لفظة “دريُّ” بسورة النور، بتخفيف الياء بعدها همزة “دريء”.. وقرأ “تشتهيه الأنفس” في الزخرف بحذف هاء تشتهيه لتكون “تشتهي”.

أما حفص عن عاصم فقد اشتهر بانفراده بقراءة بعض الكلمات على كيفية تخالف القراء العشرة ورواتهم، ومن أمثلة ذلك، انفراده بقراءة كلمة “هزوا” في جميع القرآن بالواو، والجمهور بالهمز “هزؤا”، وانفرد بقراءة “هو خير مما يجمعون” بالياء في يجمعون، والجمهور بالتاء “تجمعون”، وانفرد بقراءة كلمة “تلقف” بالأعراف والشعراء بإسكان اللام وتخفيف القاف، والجمهور بفتح اللام وتشديد القاف “تَلَقَّف”، كما انفرد بفتح همزة “دأبا” في سورة يوسف، والباقون بإسكانها، وانفرد بضم الميم في قوله “لا مُقام” في سورة الأحزاب بضم الميم الأولى والجمهور بفتحها.. وانفرد بقراءة كلمة “كفوا” في سورة الإخلاص، بالواو، والباقون بالهمزة “كفؤا”.

ولأسباب كثيرة، تنتشر قراءة عاصم برواية حفص في معظم بلدان العالم الإسلامي، وبها تطلع أغلب المصاحف، وتذاع الختمات المرتلة بها في الإذاعات، ولا يخالف في ذلك إلا عدد محدود جدا من البلدان التي تقرأ برواية ورش أو قالون عن نافع أو الدوري عن أبي عمرو البصري.