صاحب أفضل ديوان في 2016 لـ«البديل»: المشهد الشعري كبير.. والجوائز أرزاق

“اِسْمى مُحَمَّدُ القِلِّينيّ

أكْتُبُ الشِّعْرَ

وأعْمَلُ فى شَرِكةِ مَلابِسَ.

لَيسَ بين الأمْرَينِ أى تَعارُضٍ

فثَمّةَ مَخْزِنٌ كَبيرٌ

أُكَدِّسُ فيهِ قُمْصانًا مُسْتَورَدةً

يتَهافَتُ الناسُ علَى شَرائِها.

وثَمّةَ قلْبٌ أكْبَرُ

أَخْزِنُ داخِلَهُ قصائدَ

لا تَجِدُ لها مُشْتَرِيًا”.

هذه كانت إطلالة الشاعر الأولى من خلال ديوانه الأول “أركض طاويا العالم تحت إبطي”، الذي أحدث دويا واسعا داخل وخارج مصر، ولفت الأنظار إلى شاعر يحمل روحا شديدة الخصوصية، حتى اعتبره بعض النقاد كجابر عصفور، وجمال القصاص، وصلاح اللقاني، أحد أهم شعراء هذا الجيل في الوطن العربي.

فاز ديوان الشاعر محمد القليني، بجائز مجلة أخبار الأدب لأفضل ديوان صدر عام 2106 ثم جائزة أفضل ديوان بمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الأخيرة، وفي حواره لـ”البديل” تحدث القليني عن أزمة الشعر وقصيدة النثر وغياب جمهور الأدب والشللية التى تحكم الوسط الثقافي، وغيرها من القضايا الثقافية.

16923885_1773495696302293_1270117684_n-2

وإلى نص الحوار..

ـ لماذا أثار ديوانك “أركض طاويا العالم تحت إبطي” كل هذا الاهتمام؟

هناك دواوين جيدة لا يلتفت إليها أحد، ومؤخرا قرأت عددا من الدواوين الباهرة، من حيث آلية الكتابة والأداء الشعري، لكنها لم تجد الاهتمام الذي يليق بها، فلا توجد قواعد معينة تحكم النقد في مصر، والنقاد الحقيقيون قلة، والمشهد الشعري كبير ومتشعب، بحيث لا يستطيع الناقد أن يلاحقه بشكل كامل، وديواني كان من الدواوين المحظوظة، إذ وجد اهتماما من عدد كبير من النقاد والشعراء، وذلك فضل كبير من الله عز وجل.

ـ وهل كنت تتوقع الفوز بجائزة أفضل ديوان في معرض القاهرة الدولي للكتاب؟

أريد أولا أن أوضح أن لقب “أفضل ديوان” أكذوبة كبيرة، أنا على يقين من أن ديواني لم يكن الأفضل على الإطلاق، فالجوائز أرزاق، وربما الديوان الذي يستحق هذا اللقب لم يدخل المسابقة من الأساس. أما عن الجائزة نفسها فلم أكن أتوقع الحصول عليها، خصوصا أنها كانت تمنح في السنوات الفائتة إلى الأسماء الكبيرة، ولم يكن أحد يلتفت إلى الشباب، لذلك أعد هذه الجائزة تكريما لجيلي كله، وأهديها إلى جيلي الذي يعج بمواهب كبيرة تحفر اسمها في الشعرية المصرية حاليا.

 ـ كيف بدأت علاقتك بالكتابة وما هي أعمالك؟

 لم يصدر لي إلا ديوان وحيد هو “أركض طاويا العالم تحت إبطي”، عن دار العين، ومن الجدير بالذكر أن بداياتي كانت مع الرواية، فأنا كاتب روائي في الأصل، وفي درج مكتبي روايتان لم يطالعهما أحد بسبب عدم رضائي عنهما، وربما يكون الشعر مرحلة مؤقتة في حياتي، أقول ربما، فلا أعرف هل سأمسك بالقلم مرة ثانية لأكتب رواية أم سأستمر في كتابة الشعر، عموما الرواية هي بيتي الحقيقي، لكني أريد أن أوضح أن الشعر هو الذي أنقذني من الفشل، وأنا أدين له بالكثير، ولا يعني ارتباطي بالرواية أنني لا أعد الشعر شيئا مهما في حياتي، بالعكس، للشعر مكانته عندي، لكنني – كما قلت سابقا – أكتبه بعقلية روائي فاشل.

16901682_1773495262969003_310629735_n

 ـ هل يعاني الشعر من عزلة؟

في مصر جمهور كبير يحب الشعر، ويتفاعل معه، خصوصا من فئة الشباب، وما يحدث مع شعراء العامية الجدد يعد دليلا واضحا على ذلك، فهؤلاء الشعراء لديهم جمهور كبير، لا يأتي ليستمع إلى الشعر فقط، بل يدفع أموالا في سبيل هذا الشعر، سواء أكان ذلك بحضور ما يسمونه “حفلات الشعر” أو بشراء الدواوين، إذن الشعر لا يعاني من العزلة، الناس على استعداد واضح للدخول من أبواب الشعر، فقط علينا أن نشير لهم إلى الباب.

وفي رأيي أن الضباب الذي يرشه الشاعر على الباب التي سيدخل منها القارئ العادي إلى قصيدته هو جوهر الأزمة فيما يحدث الآن مع الشعر الحقيقي، فلماذا لا نخاطب الآخرين بقدرهم؟ لما نتفلسف عليهم؟ لماذا نتثاقف؟ الناس العاديون حين يقرؤوننا لا يفهمون شيئا، صحيح هناك أزمة في التلقي، لكن هذه الأزمة لم يصنعها القارئ وحده، الشاعر أيضا مسؤول عنها، هذه هي المعادلة الصعبة التي حاولت تحقيقها، ولا أعرف ما إذا كنت قد نجحت في ذلك أم لا، المهم أنني حاولت، هذه المعادلة هي: كيف تكتب شعرا حقيقيا ينال إعجاب النقاد والمهتمين بالشعر وفي نفس الوقت يكون من البساطة بحيث يفهمه القارئ العادي ويتفاعل معه، الشاعر يكتب للناس، والشعر الحقيقي ليس ضد البساطة، والرؤية أيضا ليست ضد البساطة، يمكن للشعر أن يكون عميقا ورؤيويا وبسيطا في نفس الوقت، أؤمن بهذا القول. المثقف يقول أشياء بسيطة بطريقة معقدة، والمبدع يقول أشياء معقدة بطريقة بسيطة. على الشعراء إذن أن يساعدوا الجمهور بعدم تقوقع قصائدهم على ذاتها، وبالانفتاح على الشارع، بالطبع مع التمسك بالهوية والرؤية والمشروع.

ـ قصيدة النثر متهمة بالاغتراب.. هل تجد نفسك هكذا؟

رغم كل شيء يبقى الشعر هو ديوان العرب والمرآة الحقيقية للمجتمع، دعك من الشعر والشعراء وتعال نتحدث عن الناس في الشوارع، عن المجتمع ككل، سوف تجد الجميع يعانون من الغربة، من خلخلة المسلمات، فلماذا يبتعد الشعر عما يحدث مع الجميع، الشاعر ابن مجتمعه، واليد التي تدون مساراته، وهو في غربة دائمة، ربما لاستشرافه الخطر، أو ربما لأنه أكثر رهافة، وتؤثر فيه أبسط الأشياء.

ـ كيف ترى المناخ الثقافي في مصر؟

المجتمع الثقافي في مصر يعج بالشلل، لكن هذه القاعدة لها استثناءات، والإبداع الجيد يفرض نفسه على الجميع، وفي الأخير لا يصح إلا الصحيح، وعن نفسي لا أعد نفسي محسوبا على شلة أو تيار، أحب أن أكون حرا، وغير منحاز إلا للشعر والجمال.

ـ هل عانيت من محاولات إقصاء وإبعاد بسبب صراع الشباب والرواد؟

إطلاقا، ما حدث معي هو العكس، لقد تلقف الأساتذة كتاباتي بكل مودة، وهمسوا في أذني بنصائح استفدت منها كثيرا، وعن نفسي أحترم كل الأجيال السابقة، وأتعلم من تجاربهم، وأحاول أن أبني على ما انتهوا إليه.

ـ النشر الذي أصبح متاحا للجميع هل أسهم في تقديم أعمال أقل من المستوى؟

بالتأكيد  النشر في مصر مأساة حقيقية، من يملك المال يستطيع أن يصدر كتابا، بغض النظر عن محتوى هذا الكتاب، وبغض النظر عما إذا كان يستحق النشر أم لا، وللأسف دور النشر أصبحت مجرد وسيط ما بين الكاتب والمطبعة، وفي الشعر والرواية والقصة والنقد ستجد كتبا رديئة جدا، كل مؤهلات أصحابها امتلاكهم ثمن النشر، هذا الأمر أصاب القارئ بتخبط شديد، وجعله يفقد الثقة في عدد من الكتاب الجيدين، إذ يؤخذ البعض بذنوب الكل.

ـ كيف تقيّم تجربتك الإبداعية؟

لا أراني أمتلك تجربة إبداعية متكاملة، أو مشروعا كبيرا قد تم تجسيده، مازلت في بداية الطريق، ومازال أمامي الكثير، وكل ما أتمناه أن أترك ورائي كتابة تترك أثرا في روح من يطالعها.