رؤية النظام للثقافة والجامعة

كثر الحديث عن التعديل الوزاري المرتقب، وظهر من خلال التوقعات والتكهنات التى تسبق عادة الإعلان الرسمى عن أسماء الوزراء الجدد أن من أضعف الوزارات التى يمكن تغييرها بسهولة هما: وزارة الثقافة (حتى وإن بقى وزير الثقافة الحالى فى منصبه فى نهاية الأمر) ووزارة التعليم العالى، أى الجامعة، فالثقافة والجامعة أقل أهمية من رغيف الخبز وأنبوبة البوتاجاز ولتر البنزين، لا يشعر بهما الناس فى حياتهم اليومية، ولا يقفون بالطوابير أمام مسارح ومتاحف ومكتبات الدولة يطالبون بتذكرة دخول مخفضة أو كتاب بسعر رمزى، هما مجرد ترف لا يملك الناس ثمنه. الثقافة ثرثرة ولهو وكلام غير مفهوم لمجموعة من المثقفين البعيدين عن الواقع، ومجلات ثقافية تلقى الدعم بالملايين ولا تحقق مكسبا، والجامعة والبحث العلمى تكلفة زائدة لا تستطيع الأسرة المصرية تحملها من مصاريف وأسعار كتب ومذكرات.

يسود هذا الفهم الخاطئ رغم أن الثقافة والجامعة لهما أعمق الأثر – بطريقة غير مباشرة وبشكل غير ملموس – فى عقول المواطنين وفى تربيتهم وفى رؤيتهم العامة للحياة، فالثقافة تتسرب إلى المواطن منذ بداية وعيه من خلال أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة، ومن خلال الحكم والأمثال العامية التى يسمعها منذ نعومة أظافره، وهى الأسرع فى الوصول إليه من خلال الفنون الشعبية. الثقافة هى التى تبقى مع الطالب حتى وإن نسى التعليم. وتتأكد فى الجامعة حيث حرية الفكر والاختيار الحر، وتكوين الرأى والشخصية. وليست الجامعة استمرارا للدراسة فى المدارس الثانوية والمناهج التعليمية التى تقوم على الحفظ والتلقين، ومجرد معهد لإعطاء شهادات للتأهيل المهنى. الجامعة هى الفرصة الثانية – بعد التعليم العام – لإعداد المواطن الصالح، والتعود على الاستقلال فى الرأى، والحرية فى الاعتقاد، واحترام الرأى والرأى الآخر، وحمل هموم الفكر والوطن.

والوطن لا يستقر وينهض دون ثقافة وطنية تفصل بين الدين والسياسة، وتحل التسامح محل التشدد والتعصب، وتسلم بحقنا فى أن نجتهد ونختلف ونتنوع، وتجعل الحوار وتبادل الرأى طريقا للتفاهم وبديلا عن العنف، فدون الثقافة لا ينهض اقتصاد ولا ينمو إنتاج، لأن الاقتصاد فكر وخبرة، والإنتاج علم وتقنية. وإذا أردنا أن نعرف الأسباب التى سمحت للجماعات الدينية المتشددة بأن تتقدم الصفوف‏، وتصنع ما صنعته بمصر خلال العقود الأربعة الماضية‏، فلنبحث عن الثقافة، وإذا أردنا أن نلزم هذه الجماعات مكانها، ونقلم أظفارها، ونردها إلى حجمها الطبيعى، فلنبحث عن الثقافة.

لقد كانت الثقافة الغالبة على عقول الملايين من أبناء مصر طوال تلك الفترة هى ثقافة التخلف، يصح ذلك على الثقافة الدينية من حيث سيطرة معتقدات فاسدة، وتأويلات متعسفة لا تعرف معنى للتسامح أو الاجتهاد أو حرية الاختلاف فى فهم النصوص الدينية، إلى جانب إلغاء العقل وفرض التقاليد الجامدة على البسطاء من المواطنين. وينطبق الأمر نفسه على الثقافة السياسية، حيث يسيطر خطاب الاستبداد الذى لا يزال باقيا رغم سقوط نظام مبارك منذ ستة أعوام، ولذلك لا نزال بعيدين عن ثقافة الدولة المدنية التى تعتمد على الحوار الديمقراطى وتقبل الاختلاف والتعدد والتنوع بوصفه حقا من حقوق الحياة.

وتغيير ثقافة التخلف تلك هو المدخل الحقيقى إلى المستقبل، فلا مستقبل لمصر وثقافة الناس على ما هى عليه من تخلف. إن مصر يتجاوز تعداد سكانها التسعين مليونا، ونسبة الأمية فيها تصل إلى أربعين بالمائة، والمعيشة تحت خط الفقر تصل إلى هذه النسبة أو تزيد. والتسرب من التعليم الأولى يتزايد ولا يتناقص، أى إن معدلات الأمية المقرونة بالفقر تتزايد، وذلك بالقدر الذى تتزايد فيه العشوائيات التى تفرخ المزيد من الفقر والجريمة. ويعنى ذلك أننا نتحدث عن ما يزيد على خمسة وثلاثين مليون مواطن مصرى يعانون من الأمية والفقر. وبقدر ما يتحول الجهل إلى عامل فعال يساعد مشايخ التطرف والإرهاب على حشو أذهان البسطاء بالخزعبلات وأفكار التعصب الدينى والتشدد، فإن الفقر يورث أصحابه أخلاق العنف ونزعات الحقد على الأثرياء. ويعنى ذلك أنه لا ضمانا حقيقيا للديمقراطية، وسط أناس لا يجدون قوت يومهم إلا بشق الأنفس، وليس لديهم من يتمكن من النفاذ إلى عقولهم سوى الجهلاء فى أمور الدين.

من هنا فإن الثقافة والجامعة لا تقلان دورا وفاعلية فى الحياة السياسية أو حضورا وأهمية فى الحكومة عن باقى الوزارات السيادية: الدفاع، والخارجية، والداخلية، والعدل، التى ترسم سياسات مصر الدائمة للدفاع عن أمنها القومى. فمع الأمن القومى هناك الأمن الثقافى والأمن التعليمى. إن وضع سياسات دائمة للثقافة والجامعة هو أفضل من الاضطراب الحالى وتغيير الوجوه مع كل حكومة جديدة. وقد جرت العادة كلما تغير وزير تغير رجاله، فكل وزير له بطانته ومساعدوه ومن ينتظرون مثله الصعود والترقى. وقد تكون له سياسات مختلفة عن الوزير السابق عن صدق أو لمجرد إثبات الوجود، فتتغير سياسات الثقافة والجامعة. وإذا تغير الوزير باستمرار، فكيف يمكننا إذن وضع التخطيط السليم لمستقبل الثقافة والجامعة؟ ومتى تتم صياغة اقتراحات ومناقشتها والوزير يعلم أنه قد يغادر منصبه فى أى وقت؟ فهو الجانب الضعيف بين الوزراء، وهو الذى يتغير فى أى تغيير وزارى، وهو العمود المهزوز فى البناء الذى يسهل خلعه، وهو العضو الزائد والإضافى الذى لا لزوم له.

هذا ليس دفاعا عن وزراء رحلوا قبل الأوان، ولا نقدا لوزراء قادمين قد يرحلون أيضا بمجرد تغيير الحكومة الحالية، وتكليف رئيس وزراء جديد يختار وزراء جددا بمن فيهم أضعفهم وأكثرهم تنقلا للثقافة والجامعة، بل هو مجرد تحليل لرؤية النظام السياسى الحاكم للثقافة والجامعة، وغضب من مجموع المثقفين والجامعيين، لأن مؤسساتهم هى الأكثر تغييرا فى الحياة السياسية.