حمزة الزيات.. إمام القرآن المتورع

لم يكن يتكسب بالقرآن، ولم يأخذ على تعليمه أجرا أبدا، واستغنى عما في أيدي الناس بالاتّجار في الزيت، يجلبه من الكوفة إلى “حلوان” بآخر سواد العراق، ثم يجلب منها الجوز والجبن إلى الكوفة، فصارت مهنته لقبا له، فاشتهر بالزيات، مع تقوى وورع وخشية شهد له بها أعلام عصره، حتى قال عنه إمام محدثي العراق يحيى بن معين: ما أحسب أن الله تعالى يدفع البلاء عن أهل الكوفة إلا به.
حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل الكوفي التميمي، الشهير بالزيات، أحد القراء السبعة الكبار، ولد عام 80 من الهجرة، وتوفي عام 156 بحلوان، وانتهت إليه زعامة الإقراء بالكوفة بعد عاصم بن أبي النجود وسليمان بن مهران الأعمش، مع علم بالفرائض والعربية وحفظ للحديث.
قرأ على سليمان بن مهران الأعمش وعلى أبي حمزة حمران بن أعين وعلى أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، وعلى محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعلى طلحة بن مصرف، وعلى أبي عبد الله جعفر الصادق بن محمد الباقر.. وكلهم بأسانديهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم.. أما تلامذته ومن أخذوا عنه فلا يأتي عليهم الحصر.
ولعلمه وتحقيقه وورعه، نال مكان كبيرة بين علماء عصره، فيقول له أبو حنيفة النعمان: شيئان غلبتنا فيهما لا ننازعك في واحد منهما، القرآن، والفرائض.. وكان شيخه الأعمش إذا رآه مقبلا يقول: هذا حبر القرآن، ويشهد له سفيان الثوري فيقول: ما قرأ حمزة حرفا من كتاب الله إلا بأثر.
جاءه رجل قرأ عليه من مشاهير الكوفة فأعطاه جملة دراهم، فردها إليه وقال له: أنا لا آخذ أجرا على القرآن أرجو بذلك الفردوس الأعلى.. ويبدو أنه كان يصر على التعفف عن الأجر، ولو كان هذا الأجر شربة ماء في نهار صيف قائظ، فيقول جرير بن عبد الحميد: مر بي حمزة الزيات في يوم شديد الحر، فعرضت عليه الماء ليشرب فأبى لأني كنت أقرأ عليه القرآن.
واشتهر عن حمزة راويان، هما خلف وخلاد، فالأول هو خلف بن هشام بن ثعلب بن خلف، الإمام العلم أبو محمد البزار البغدادي – أصله من فم الصلح بكسر الصاد، أحد الرواة عن سليم عن حمزة، ولد سنة 150 هجرية، وحفظ القرآن وهو في عشر سنين وابتدأ في الطلب وهو ابن ثلاث عشرة وكان ثقة كبيرًا زاهدًا عابدًا عالما وري عنه أنه قال أشكل على باب من النحو فأنفقت ثمانين ألف درهم حتى حفظته.. وهو مع كونه أشهر رواة حمزة، إلا إنه له اختيار خالف به أستاذه، فصار أحد القراء العشرة.. توفي ببغداد عام 229 هجرية.
وأما الثاني فهو هو خلاد بن خالد أبو عيسى وقيل أبو عبد الله الشيباني الصيرفي الكوفي، إمام في القراءة ثقة عارف محقق أستاذ.. ولد عام 130 هجرية، أخذ القراءة عرضًا عن سُليم وهو من أضبط أصحابه وأجلهم، وروى القراءة عن حسين بن علي الجعفي عن أبي بكر وعن أبي بكر نفسه عن عاصم وعن أبي جعفر محمد بن الحسن الرواسي.. توفي عام 226 هجرية.
ومن أصول قراءة حمزة أنه يصل آخر كل سورة بالتي تليها من غير بسملة بينهما، ويضم الهاء وصلا ووقفا في الألفاظ الثلاثة (عَلَيْهِمْ – إِلَيْهِمْ – لَدَيْهِمْ).. ويقرأ بالإشباع في المدين المتصل والمنفصل بمقدار ست حركات.
ومن أشهر أصوله السكت على الساكن قبل الهمز، فيقرأ بالسكت على (ال) التعريفية إذا جاء بعدها همزة مثل “الأرض”، وأيضا “شيء” كيف جاءت، ويقرأ من رواية خلف بالسكت على المفصول نحو (عَذَابٍ أَلِيمٍ)، (لكم أنفسكم أمرا).
ويسكن الهاء في ( يُودِّهِ إِلَيْكَ ) و( وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ) و( نُوْتِهِ مِنْهَا ) و( فَالْقِهِ إِلَيْهُمْ).
يغير الهمز في الكلمة التي يقف عليها، سواء جاء الهمز في وسط الكلمة أم في آخرها، وهذا التغيير يكون بالحذف أو التسهيل أو الإبدال، على تفصيل تحدده حالة الهمزة والحروف قبلها وبعدها، ويعد هذا الباب من أصعب أبواب قراءة حمزة، حتى قال بعض ظرفاء المشايخ: إذا أردت أن تقرأ لحمزة، فلا تقفن على همزة.
ويميل الألفات من ذوات الياء والألفات المرسومة ياء في المصاحف نحو ( الْهُدَى – اشْتَرَى)، ويميل الألفات إمالة كبرى في (خَابَ – خَافُوا – طَابَ – ضَاقَتْ – زَاغَ – شَاءَ – حَاقَ – زَادَ ) ويقلل الألفات الواقعة بين راءين ثانيتهما متطرفة مكسورة نحو (الأَبْرَار – الأَشْرَار).
ويدغم لام “هل” في الثاء في ( هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ) في المطففين، ولام “بل” في السين في ( بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ ) بيوسف، وفي التاء نحو ( بَلْ تَأْتِيهِمْ )، ويدغم من رواية خلاد الباء المجزومة في الفاء نحو ( وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ)، ويدغم الذال في التاء في (عُذْتُ – اتَّخَذْتُمْ – فَنَبَذْتُهَا ) والثاء في التاء في ( أُورِثْتُمُوهَا ) وفي ( لَبِثْتَ ) كيف وقعت.