تناقض المثقفين

منذ عدة سنوات، شاهدت حلقة من برنامج “العاشرة مساء”، حينما كانت تقدمه الإعلامية منى الشاذلى، قبل أن يفقد البرنامج بريقه مع وائل الإبراشى، فى هذه الحلقة استضافت منى الشاذلى كاتبا ومثقفا كبيرا، وكان موضوع الحلقة عن التخلف الحضارى وافتقاد مجتمعنا إلى السلوكيات المتحضرة. ضرب المثقف الكبير مثلا لهذه المشكلة التى نعيشها ونلمسها جميعا فى حياتنا اليومية، فقال: “سيارتان تدخلان شارعا ضيقا، كل سيارة من ناحية، والشارع لا يسمح بمرور السيارتين فى وقت واحد، وسائق كل سيارة يعلم تماما أن على أحدهما أن ينتظر الآخر حتى يمر بسيارته، ومع ذلك تجد كليهما يندفع بقوة فى الشارع الضيق حتى يصلا إلى نقطة فى منتصف الشارع يضطران فيها إلى التوقف، ثم تبدأ مشاجرة بين قائدى السيارتين، من منهما الذى يجب أن يتنازل للآخر ويعود بسيارته إلى الوراء؟ وقد يستغرق الأمر ربع ساعة فى شجار أو جدال لا معنى له، فى حين أن الأمر كله كان يمكن أن ينتهى ببساطة فى ثوان معدودة، لو انتظر أحدهما الآخر حتى يمر بسلام”، هنا علقت منى الشاذلى ضاحكة: “اشمعنى أنا اللى أرجع، ليه مش هو؟”، فرد المثقف الكبير قائلا: “بالضبط، هذا هو التخلف الحضارى”، فضحكت منى الشاذلى وضحك الجميع.

فى اليوم التالى، ذهبت إلى دار سينما لمشاهدة الفيلم الأمريكى “عداء الطائرة الورقية”. وصلت السينما متأخرا، قبل بدء عرض الفيلم بلحظات، تحسست طريقى فى الظلام، وبمجرد أن جلست فى مكانى بدأ الفيلم، وكان فيلما ممتعا عن رواية بنفس الاسم للكاتب الأفغانى خالد حسينى حققت نجاحا كبيرا حين صدورها، لكن للأسف لم يكتمل استمتاعى بالفيلم بسبب الشخص الذى كان يجلس إلى جوارى، كان هاتفه المحمول لا يتوقف عن الرنين، ويرد على جميع المكالمات بصوت عال، دون أن يحس للحظة واحدة بحرج، ودون أن يراوده شعور أنه يفسد على الآخرين متعة مشاهدة الفيلم. ولم يكتف هذا الشخص بالحديث فى الهاتف بصوت عال، وإنما كان أيضا يفتح الهاتف كل بضع دقائق ليطلع على الرسائل التى تصله، وكان ضوء شاشة الهاتف يزعجنى جدا، هذا إلى جانب أنه لم يتوقف عن الثرثرة مع السيدة التى كانت تجلس إلى جواره فى الدقائق التى لا يستخدم فيها الهاتف، ويبدو أنه كان قد شاهد الفيلم من قبل وأعجبه، فكان يكشف لها عن أحداثه مقدما، ويشرح لها بعض النقاط التى قد تكون غابت عنها. حاولت أن أظهر له تأففى من سلوكه الفظ أكثر من مرة، ولم أنجح. حاولت أن أجد مكانا آخر أجلس فيه، ولم ألمح مكانا شاغرا فى ظلام القاعة. قررت أن أوبخ هذا الشخص أثناء الاستراحة وليكن ما يكون، وبمجرد أن أضيئت قاعة السينما، التفت إليه، وقبل أن أفتح فمى بكلمة، أصبت بصدمة كبيرة جعلتنى أعجز عن الكلام، فقد وجدت أن هذا الشخص هو نفسه المثقف الكبير الذى كان يتحدث مع منى الشاذلى بالأمس عن افتقاد مجتمعنا إلى السلوكيات المتحضرة.

هذا الموقف الصادم استدعى لذاكرتى كتاب “المثقفون” للصحفى والمؤرخ الإنجليزى البارز بول جونسون، والذى أثار الكثير من الجدل فى الأوساط الثقافية حينما صدر فى أواخر التسعينات، حيث قدم معلومات مذهلة لا يعلمها الناس حول عدد من كبار مثقفى العالم: روسو، ماركس، تولستوى، هيمنجواى، بريخت، راسل، سارتر، وغيرهم من عمالقة الفكر والأدب والثقافة، ممن تأثر الناس بأفكارهم وكتاباتهم، فاتضح أنهم أشخاص متناقضون، يعانون من عقد نقص وأمراض نفسية، ويحتقرون المرأة ومعظمهم مصابين بهوس جنسى إلى درجة مرضية، وباستثناء تولستوى، الذى تنازل عن أرضه لفلاحيه وسعى إلى تعليمهم، فإن أيا منهم لم يقدم برهانا عمليا على صلاحية أفكاره للتطبيق.

عاصر بول جونسون بعض هؤلاء وقرأ مذكراتهم واعترافاتهم وكشف هذا التناقض وتلك الازدواجية، وعرى الصورة ونقلها بكل حقيقيتها الصادمة، مستندا إلى ما كتبوه بأنفسهم وما كتبه عنهم القريبون منهم: زوجاتهم، وعشيقاتهم، وأبنائهم، ورفقائهم.

عن المفكر الفرنسى جان جاك روسو، صاحب العقد الاجتماعى، يقول المؤلف إنه لم يكن سوى زير نساء، نرجسى، جبان، بخيل، صبيانى السلوك، محب للمظاهر، مريض بالسرقة، وفى كتابه “الاعترافات”، يقول روسو عن نفسه: “أحد تناقضاتى الواضحة، هى الجمع بين الجشع الشديد والاحتقار الشديد للثروة”. وكان روسو خبيرا ممتازا فى الدعاية لنفسه وجذب الاهتمام نحوه عن طريق أطواره الغريبة، وفظاظته الاجتماعية، وتطرفه الشخصى، وبينما كان يتظاهر بالعفوية، فقد كان حذرا وماكرا، كان مثل المحتال المحترف الذى يسلب الآخرين بعد أن يكسب ثقتهم. وفى وقت كان يردد باستمرار أن فى قلبه متسعا لكل آلام البشر، وأنه الأكثر رقة وعطفا بين الناس جميعا، فإنه لم يعط لأى من أبنائه غير الشرعيين حق أبوته، ورفض الاعتراف بهم، ووضعهم فى ملجأ للأطفال اللقطاء، مبررا ذلك بأنه جزء من فلسفته التى ترى أن الأطفال هم أبناء الدولة.

ومثل روسو، كان للشاعر الإنجليزى شيلى عدد من الأطفال غير الشرعيين الذين أجبر على الاعتراف ببعضهم، ومثل روسو أيضا، كان يحب الإنسانية بشكل عام، لكنه شديد القسوة مع الأفراد، وكان يقترض باستمرار، ولا يرد ما يقترضه.

أما المفكر الألمانى كارل ماركس، داعية الاشتراكية الأعظم، فيقول المؤلف إن عدم كفاءته فى التعامل مع المال، كانت أحد أسباب إحباطه وغضبه الشديد. وماركس الذى نادى دائما بحقوق العمال وسيادة البروليتاريا، لم يدخل مصنعا فى حياته، ولم يعرف هؤلاء الذين تحدث باسمهم أبدا عن قرب. وإلى جانب الأوصاف التى نقلها عنه رفقاؤه: قذر، متعجرف، عنيف، قاس، له عينان ضيقتان مليئتان بالشر، يلتفت المؤلف إلى سلوكه الذى جاء متناقضا مع ما بشرت به فلسفته، فقد عاش طيلة حياته عالة على صديقه إنجلز، وكان يكرس معظم وقته لجمع ملفات مفصلة عن أعدائه وخصومه السياسيين، ولم يكن يتردد فى إيصالها إلى الشرطة لخدمة مصلحته.

أما الأديب الأمريكى إرنست هيمنجواى فكان سكيرا لا يرتوى، يكره أمه إلى درجة وصفها بالزانية، وكان بارعا فى الكذب، كما كان – على الرغم من إشادته بمزايا الصداقة فى أدبه – غير قادر على الاحتفاظ بصديق لفترة طويلة، وكان شريرا وعنيفا وشديد الغيرة من نجاحات الآخرين. وبسبب إدمانه الكحول، وعجزه عن تطوير فنه فى الاتجاه الذى يريد، أقدم على الانتحار بعدما فشلت محاولات علاجه من الاكتئاب، فأمسك ببندقيته المفضلة ذات الماسورتين، ووضع بها طلقتين من الخرطوش وضغط على الزناد وفجر رأسه.

ويبدو أن الكاتب المسرحى الألمانى برتولد بريخت قد جمع المثالب كلها متفوقا على معاصريه من المبدعين. يصفه المؤلف بأنه كان فظا غليظ القلب، وكذابا، ومحتالا، ولصا، سرق أفكار غيره وأعاد توليفها وتقديمها منسوبة إلى نفسه، مستفيدا من الدعاية لنفسه، وعلاقاته الواسعة، والدعم الذى كان يتلقاه من الحزب الشيوعى. تعددت ضحاياه من النساء اللاتى كن يعملن تحت يده كسكرتيرات أو خادمات أو ممثلات فى مسرحه. لم يهتم كثيرا بأطفاله، وكان لديه على الأقل طفلان غير شرعيين، ولم تكن دعوته للشيوعية صادقة تماما، فقد كان يكره الفقر والعمال، ويقضى ساعات يلطخ جسده وأظافره بالطين كى يبدو بالنسبة إلى العمال كواحد منهم، فينطلى عليهم خداعه.

كتاب “المثقفون” يقول باختصار إن الكثير من المثقفين الكبار الذين أثروا فى مسيرة الإنسانية، ليسوا سوى مدعين وكذابين ومخادعين وانتهازيين، بل ولصوص وأفاقين. لقد أسقط هؤلاء المثقفين الإنسان الفرد من حساباتهم بزعم انحيازهم للأفكار العظيمة ومجد البشرية، وداسوا بأقدامهم القيم النبيلة التى بشروا بها، سعيا وراء مجدهم الشخصى، وهكذا سقطوا فى فخ الإدعاء والكذب والخداع والتناقض بين ما ينثرونه على صفحات مؤلفاتهم من أفكار عظيمة وقيم نبيلة، وبين ما يصدر منهم من سلوك منحط لا علاقة له بتلك الأفكار والقيم على الإطلاق.
لقد أساء هؤلاء المثقفون الكبار فهم معنى كلمة مثقف، فالمثقف لا بد أن يحيا الأفكار التى يكتبها، يعيشها بعقله ووجدانه، ويجب أن تظهر ثقافته فى سلوكه وأسلوبه وملبسه وفى كل مناحى حياته، وأن يتعامل مع الأمور بعقل وحكمة ومع الناس باحترام ومودة لا بتعال وأنانية، وأن يتسم سلوكه بالتواضع والأدب الرفيع، فحسن الخلق هو أهم ما يميز المثقف عن غير المثقفين. أخيرا، إن المثقف إنسان لا يختلف كثيرا عن غيره من أفراد مجتمعه سوى أنه الحامى لقيم الحق والخير والجمال، والمدافع عن المظلومين والمهمشين وحقوقهم بحياة حرة كريمة، ولا يجوز أن يصبح يوما متناقضا مع ما كان يبشر الناس به ويدعوهم إليه.