انقلاب 11 فبراير

يختلف البعض حول التوصيف الأدق لثورة 25 يناير، الدستور الحالي يقول أنها ثورة، أعدائها يفضلون وصفها بالمؤامرة الأجنبية، بعض الأدبيات العلمية تنعتها بالانتفاضة، إذن لماذا لا نتساءل إن كان ما حدث انقلابا؟!

نعم، الإنقلاب في أحد تعاريفه هو: إزاحة مفاجئة للحكومة بفعل مجموعة تنتمي إلى مؤسسة الدولة -عادة ما تكون الجيش- وتنصيب سلطة غيرها مدنية أو عسكرية. هل ما حدث في يناير بعيدا عن هذا؟

فلنتذكر، في 2005، بدا أنها الولاية الأخيرة لمبارك بُحكم السن، شهدت بنايات الدولة في العاصمة صعوداً لرجل المخابرات عمر سليمان، ولنجل الرئيس جمال مبارك. مع التواجد التقليدي لجنرالات الجيش. حالة من تعددية مراكز القوى داخل الدولة، فالصراع على خليفة الرئيس هو مسألة حتمية.

بفعل فاعل، تظهر جماعات من المعارضة تعارض خيار التمديد للرئيس أو التوريث لنجله، “التوريث” كان أكثر المصطلحات شيوعا بين المهتمين بالسياسة في مصر، وكلما اقتربت نهاية فترة الرئيس يصبح وجه عمر سليمان أكثر شهرة، يظهر لشاشات التلفاز للمرة الأولى، يتولى أبرز ملفات السياسة الخارجية، يقولون إنه الحاكم الفعلي للبلاد، وجنرالات الجيش يتخذون مواقعهم التقليدية، كان اسم عمر سليمان يُطرح كأبرز المرشحين لخلافة الرئيس؛ إذا لم يورث مبارك الحُكم.

الأوضاع تتعقد، يبقى أقل من عام على موعد انتخابات الرئاسة، “الجيش كان مستعدا بالفعل لثورة تحدث في إبريل 2011″، هكذا دون يسري فودة مقولة السيسي له في كتاب آخر كلام.

يفسح مجال التنافس أو التنفيس المساحة اللازمة لتسويق قضايا الفساد لبعض رجال الوريث، يُهاجم مبارك على صفحات الجرائد للمرة الأولى، يمر من الرقابة فيلم “هي فوضى “كتحريض واضح للمصريين على الثورة ضد ممارسات الداخلية، بعدها بثلاثة سنوات كانت حدة الهجوم على الداخلية وصلت إلى حالة “كلنا خالد سعيد”. ومع أجراس العام الجديد في كنيسة القديسين، تفجر الوضع برمته في الإسكندرية.

للعولمة كُل السحر، حتى إنها تصل قطع الدومينو ببعضها البعض، مع اشتداد حدة الصراع داخل الدولة، كان الأمر في مصر ينتظر فقط الشرارة القادمة من الشمال: “بن على هرب”. هل سنترك مبارك يُكمل مدته؟ مباشرة وجهت ضربة مُباغتة من شباب العولمة ضد نظام مبارك ونجله وداخليته. ليس هؤلاء فقط، أرادو تغيير المعادلة بأكملها “الشعب يريد إسقاط النظام”.

دقت طبول معركة الخلافة، تحرك جنرالات الجيش من مواقعهم التقليدية، وفي مساء 28 يناير 2011، كان هناك عدة أمور قد حُسمت، أولها القضاء على مشروع جمال مبارك، ثانيها انسحاب الداخلية من شوارع مصر، ليتسلم جنرالات الجيش السيطرة الميدانية على الإقليم المصري، حتى ميدان الثورة كان تحت حماية الدبابات والمدرعات العسكرية.

حزب الرئيس والوريث يحترق، عمر سليمان يتسلم رسميا إدارة مصر بعد تعيينه نائبا للرئيس، بقيت خطوة واحدة نحو الرئاسة الفعلية. هي إجلاء ميدان التحرير.

تبقى من معركة الخلافة طرفين: جنرالات الجيش وعمر سليمان. واستبدل جمال مبارك بمجموعات الشباب في التحرير، الذين أعلنوا المطالبة بمجلس رئاسي مدني لحين إجراء الانتخابات الرئاسية بعد كتابة دستور جديد للبلاد.

أعلن المجلس العسكري الأعلى انعقاده الدائم، وشرعية مطالب الثوار. لن يرحل الجيش طالما هناك ثوار، ولن يرحل الثوار طالما هناك مبارك. كان هذا التحدي الحاسم لمآلات الأمور في مصر. ألقى مبارك بالورقة الأخيرة ليلة تنحيه، إعلان تفويض أمور الرئاسة لعمر سليمان مقابل أن يُكمل –شرفيا-فترة ولايته. لم يلق الأمر إعجاب الجنرالات والثوار.

تغير الوضع أيضا على شاشات التلفاز، حملات المشاهير للمطالبة برحيل مبارك تنتشر، المجلس العسكري يكرر انحيازه لمطالب الثوار؛ قُضى الأمر. في الصباح كان الجميع يعلم إنه يوم رحيل مبارك. ظهر عمر سليمان مهزوما على شاشات التلفاز، وهو يزف نبأين؛ الأول هو رحيل مبارك، والثاني كان إعلان تولي المجلس العسكري الأعلى أمور البلاد. الذي تبني مطالب الثوار بكتابة دستور جديد وعقد انتخابات الرئاسة في غضون 6 أشهر، ولكن مع استبدال المجلس الرئاسي المدني، بالمجلس العسكري الأعلى.
خرج الثوار من الميادين، أزيح عمر سليمان، وانتصر في معركة خلافة مبارك جنرالات الجيش.
يتبع.