انصر رئيسك “بيعرف أو مبيعرفش”!

يجبرك القدر أحياناً علي التعايش مع الباطل والقبول بالكذب وانتظار المجهول المخيف.

إن كنت مواطناً في “شبه دولة” فأنت مدعو إلي الاستمتاع بالحالات الثلاث السابقة، فحاضرك مزدحم بكثير من العبث والفوضى، ومستقبلك لا يشي بأي تفاؤل.

اترك نفسك للتيار يقذف بك كيفما يشاء، فلا تجهد نفسك بوضع خطوات مرسومة، ولا تحتار في اختيار أي الطرق الممهدة لتسلك، فالأمر برمته خاضع لمعايير اللحظة والعاطفة والفهلوة.

نحن شعب اختار رئيسه سعياً وراء حلم أن نصبح “أد الدنيا”، ولما انقشعت السحابة وزالت السكرة، أفقنا علي صدمة “مش أحسن ما تعيشوا في معسكرات اللاجئين”، فقررنا علي مضض التسليم بنصف حلم ونصف وطن ونصف حياة.

أصبحت الوطنية أن تؤيد الرئيس ظالماً أو مظلوماً، أن تمدح رجاحة أفكاره حتي لو بدت سطحية أو مبهمة، سلامة قراراته حتي لو ألقت بك نحو القاع، فالرئيس المُلهم يري ما وراء الأفق ومن خلف حجاب، فلا تصدق ما أنت عليه من أوضاع مزرية ولا تبالي.. “الخير لسه جاي قدام”.

أحمق أنت إن كنت تريد أن تحاسب الرئيس علي وعده “سنتين وتعالوا شوفوا مصر”، فالتركة ثقيلة جداً وتحتاج إلي ستة أشهر إضافية، وربما يتطلب الأمر بعد ذلك مدها لفترة جديدة، وقد تطول المدة أكثر، وإذا لم يسعفك العمر لإدراك غاية الرئيس، إياك أن تفقد إيمانك بدهائه وبصيرته، فهو بحسب تعبير مسئول برلماني بارز: “الرئيس يعمل للأجيال القادمة ولا يفكر في الجيل الحالي”.

ستبدو الصورة قرمزية لو جلست في مدرجات “المواطنين الشرفاء”، متكئاً بكل ثقلك علي حاكم لا تضيع عنده الودائع والوعود، فمن قالوا إنه “هدية السماء لمصر” لا يخطئ أبداً، ومن قال لنا “اسمعوا كلامي أنا بس” لن يضللنا حتماً، ومن هبط بالجنيه إلي أسفل السافلين، قادر في لحظة ملهمة “يحمر عينه بس” فيخشاه الدولار ويسقط جاثياً أمام نظرات من لا يرحم.

إلغ عقلك وصدق أن الارتداد إلي الخلف ليس تراجعاً، بل مقدمة للانطلاق بقوة إلي الأمام، فالدين المحلي الذي وصل إلي ضعف ما كان عليه قبل 3 سنوات بقيمة 2.6 تريليون جنيه، سيمحا في غمضة عين فقط لو اصطففنا خلف الرئيس، والدين الخارجي الذي بلغ 60 مليار دولار بنسبة زيادة 95% تقريباً خلال نفس المدة، سيشطب من السجلات فور أن نُحسن النوايا بالرئيس، و”سيأتي يوم نُقرض فيه الدول التي أقرضتنا”، وهذا كان تصريح لوزيرة مرموقة جداً في حكومة السيد الرئيس.

لا أمل في الخلاص طالما ارتضينا صنع الآلهة ثم التلذذ بعبادة ما صنعناه بأيدينا وإعلامنا ونفاقنا، فالرئيس ليس الوطن، وليس هو المُنزه والمُلهم والفقيه والمغوار، وليس هو الواحد الأحد، بل يحق للرئيس أن يسأل ويخطئ، وإن أخفق ولم يصحح يجوز لنا أن ننتقده ونسائله ونحاسبه، حتي لو اضطررنا إلي عزله عن منصبه، وهذا قطعاً ليس أضعف الإيمان.

لا كرامة لمواطن في وطنه إن ارتضي البقاء سابحاً في فُلك “الرئيس الأب”، يسوق له الذرائع لإخفاء مثالبه وعوراته السياسية، فلا هالة ولا قدسية لأي حاكم مهما حقق من رفاهية ورخاء لشعبه، فما بالك لو نكص هذا الحاكم وعوده وفشل في الاختبار مرات، رئيس كل متعته أن يملأ الدنيا ضجيجاً ولكن بلا طحين.

الصورة أشد قتامة مما تظن، لذا نصيحتي أن تستمتع جيداً بالسئ لأن الأسوأ قادم لاريب، أما لو كنت أحد الهائمين في حب الرئيس، مدمناً لطلته وحكمته غير قادر علي التعافي، فإذهب وانصر رئيسك بعيداً عنا، إنا هاهنا قاعدون، قابضون قدر ما نستطيع علي آخر ذرة تبقت في عقولنا…!