الفرحة الحقيقية بتحرر السجناء (2 – 2)

نبدأ بهذا الاقتباس المعبر جدا لميلان كونديرا;
“إن نضال الإنسان ضد السلطة هو نضال الذاكرة ضد النسيان” غالبا ما يُستشهد بتلك الجملة من “كتاب الضحك والنسيان” التي يلفظها أحد أبطال الرواية، ميريك، بوصفها رسالة الرواية. ذلك أن القارئ يتعرف في الرواية أولًا على “ما هو معروف أصلا”. والمعروف أصلا لهذه الرواية هو ثيمة أورويل الشهيرة: النسيان الذي تفرضه السلطة الشمولية. ميريك هذا الذي يجهد بكل قواه كيما لا ننساه هو وأصدقاؤه ومعركتهم السياسية يقوم أيضا بالمستحيل لكي يجعلنا ننسى الآخر: عشيقته السابقة التي يخجل منها. إن إرادة النسيان هي في الأساس مشكلة أنثروبولوجية قبل أن تصبح مشكلة سياسية: لقد كان الإنسان على الدوام يرغب في إعادة كتابة سيرته الذاتية، وفي أن يغيّر الماضي، وفي أن يمحو الآثار، آثاره وآثار الآخرين. إن إرادة النسيان أبعد من أن تكون مجرد رغبة في الغش، النسيان هو في آن واحد ظلم مطلق وعزاء مطلق.”
إن لدينا وعيا تجاه المشاكل والأخطار المحيطة بنا يتفاوت حسب درجة الاطلاع والمتابعة والقدرة على رؤية التفاصيل، لكن الشعور بكون الهمّ فوق طاقتنا على الاحتمال من حيث تعقيده وغموضه مع عدم وجود ما يرجح زواله في المستقبل القريب يفصلنا بشكل لا واعي عن التركيز مع هذه التفاصيل المزعجة وأخذها على محمل الجد. تماما كالهروب والنسيان فإن السخرية كثيرا ما تكون آلية نفسية دفاعية للتكيّف مع الضغوط النفسية كالشعور بالعجز أو الخوف أو المرارة، والناس تحت هذه الظروف يجنحون نحو البحث عن هدف ممكن التحقق، يقول كونديرا “وصف كافكا وضع الإنسان المحاصر على نحو مأساوي. والسؤال هو هل ترك لنا أم لم يترك أيّ أمل؟ لا، لا أمل. شيء آخر… إن الجمال هو آخر انتصار ممكن للإنسان الذي لم يعد له أمل.” إذن يحدث الارتداد إلى البحث عن الجمال في تفاصيل الحياة العادية، في المناسبات الاجتماعية السعيدة، في لحظات الصفاء والخشوع، وفي الامتزاج والتقولب في المجتمع المنساق لما يملى عليه من روابط بين المشاعر والأحداث المحيطة. وتستمر الحياة، العبارة التي أحيانا ما تحمل في طياتها بدلا الأمل والتواضع: المزيد من تكريس الاستسلام والسلبية.

ليس من ينتقدون جعل الكرة موضوعا للفرحة والفخر هم من يسرقون سعادتك، وإنما من حرموك من الشعور بقيمتك كإنسان وقرروا الاكتفاء بتمويل لعبة جماعية ملحمية هم من يفعلون.
كرة القدم هذه ليست إلا لعبة، تعطي متابعتها جرعات من الإثارة والسعادة… أحيانا… تعتمد على التخطيط وإفساد هجمات الخصم أكثر من تقديم كرة جميلة فنيا، ولعامل الحظ دور كبير جدا فيها. لا أتصور مثلا أن أسود الأطلسي أو السنغال أو أي من الفرق التي أدت بشكل رائع ثم خرجت من البطولة يشعرون بالسعادة الآن رغم ما قدموه من مستوى متميز، ولا أدري إذا كان بإمكاننا وصف استمرار فريق ما في البطولة بالحظ الجيد والتوفيق الإلهي، هل الحظ الذي يقابل لاعب القمار ويمكنه من الانتصار يمكن أن يقال عنه “جيد”؟ الأمور تعرّف بمآلاتها.
أصعب ما يقابلنا في حياتنا بلا منازع هو أن نعيد برمجة نفوسنا لتربط مشاعر السعادة والفخر بالأشياء ذات القيمة الحقيقية التي توصلنا لمعرفتها من خلال مسيرة حياتنا، ما تربينا على كونه يرتبط بهذه المشاعر وغيرها يبقى كذلك إلى أن نقوم بتغييره برياضة النفس وترويضها الصعب، ولهذا قد نبقى نفعل الأعمال التي توصف بأنها كريمة أو بطولية أو مدعاة للفخر أو تقربنا من سعادتنا الحقيقية دون أن نشعر بأي من ذلك، لأن هذه المشاعر محجوزة في أذهاننا بشكل لاواعي لصالح أشياء أخري: الفخر تابع للاحتفاء المجتمعي، وتحقيق الذات محجوز لصالح “الكارير” المهني، والسعادة مرتبطة بالانطلاق والسفر وتذوق متع الحياة المختلفة… والتي قد تحتاج لما لا نملكه، وما أكثر الأمثلة على هكذا روابط. وتلك أعظم السجون وأكثرها شيوعا لو كنتم تعلمون، الحرية لنا!
***
“أفريقيا! حد عايز أفريقيا؟”
سمعت العبارة وتفكرت قليلا. تمنيت فعلا لو أن أننا نتحرك كما ينبغي للفوز بأفريقا، القارة المنهوبة ذات الموارد الهائلة، مادية وبشرية، وذات البعد الاستراتيجي الهام؛ بدلا من تركها لقمة سائغة في أيدي الطامعين، كالكيان الصهيوني النشط وقوى الاستعمار السابقة وغيرهم. أفريقيا التي أصبح الكثير من أبنائها الأفذاذ والمجتهدين في كافة الأصعدة عمالة رخيصة تتوافد على البلاد التي يحلمون بالعيش كآدميين ذوي كرامة وحقوق فيها، منهم المحترفون في الأندية الأوروبية، والذين رفض بعضهم تمثيل بلده الأم في هذا المحفل الرياضي، ربما لأنهم تجاوزوا فكرة الانتماء القسري أو لأن معاييرهم صارت مادية صرفة أو لأنهم أدركوا أن بلادهم تحتاج لما هو أكثر من انتصار رياضي في حدث يقام كل سنتين.
لكن على كل حال فإن المحطة قد فاتت. قمت من مكاني مستعدا للنزول وخاطبت السائق قائلا: “آخر الشارع معاك ياسطة”.