«العلبة دي فيها إيه»؟.. مش متابع والله!

البطولة أن تصنع من الهزيمة نصرًا لا مراء فيه ولا زعم، أما الحماقة فأن تحاول تصوير هزائمك المتكررة على أنها «إنجازات متفردة لا تضاهيها إلَّا المعجزات».

انتصارات الأبطال كاشفة لا تحتاج إلى برهان، لا يسترجعون أحاديثها من فرط تواضعهم، بعكس الفشلة، فهم ثرثارون، كل غايتهم سماع عبارات الإطراء ودوي التصفيق، حتى لو كانوا يدركون يقينًا أن ما يسمعونه محض زور وبهتان.

أتحدث في العموم ولا أقصد شخصًا محددًا أو نظامًا سياسيًّا بعينه، وليعلم الله والجميع أنني «لا أكذب ولكني أتجمل».

لو وقف الحاكم بجسارة يهددك بـ«هيبة الدولة»، فاعلم أنه يخشي على سقوط هيبته وعباءته، قدسيته وحصانته، ويا ليته يعلم الحقيقة الجلية التي تقول: «تعمل إيه الهيبة في وطن ضايع»؟

يعتقد الحاكم العربي أن ليس كمثله بشر، فهو مادة خالدة لا تقبل الفناء أو النقد، من سار خلفه ونهج طريقه دخل جنته، ومن عارضه فكأنما حاد الله ورسوله.

لا تنادي بالحرية لنفسك أو لغيرك واقبل بقاعدة أننا «شعب الحاكم» ورعاياه، لا نملك عليه سلطانًا ولا حسابًا، أنت جزء من ميراث سلفه، وستصبح إرثًا لمن يخلفه في المستقبل.

لو نظرت حولك ذات اليمين وذات الشمال ستدرك أن العالم أثبت بالبرهان القاطع زيف أسطورة «الحاكم بأمره»، فالسيد هو الشعب و«الباقي تفاصيل»، ولن تجد مسؤولًا يفخر أمام الملأ بأنه مجرد خادم لتوجيهات الرئيس وتكليفاته، ولا شعب صدق من فرط سذاجته أن العلبة الصغيرة «ممكن يبقي فيها فيل».

سيدي، كم مرة تعهد لك الحاكم بالرخاء ولم يتحقق شيء؟ كم مرة طالبك بالصبر دون أن تجني ثماره؟ كم مرة حملك مسؤولية تخبطه وفشل سياسته؟ الإجابة باختصار: «مش متابع والله»!
كم مرة صارحك بالحقائق وأشركك في القرار واعتذر لك عند الخطأ؟ أجيبك أنا: «ولا مرة».

يجمعون بين حبك للوطن وحب الرئيس، فإن دعوت له بنعيم الحكمة والبقاء «تبقي صاحبي وحبيبي وكفاءة»، وإن سألته عن وعوده السالفة أو ساءلته عن إنجازاته الهلامية «تبقي مأجور وممول وعايز تحرق البلد».

حتى دعوات التقشف التي يطلقونها لا تنسحب عليهم، فهم سكان البروج العاجية لا يطولهم رذاذ الفقر والمعاناة، ولو حاولت مكاشفتهم مرة ببذخهم وترفهم غير المبرر، قالوا بنبرة تعال: «ده أمن قومي يا اهبل».

في العلن يصدعون رؤوسك بحرصهم على أنصبة السلام والعدل المتساوية للجميع، وفي الخفاء يجالسون الأعداء ويعقدون صفقات لبيع الأرض، مقابل تثبيت أوتاد عروشهم الوثيرة، وكأن من لا يملك يعطي لمن لا يستحق.

أحمق أنت إن حاولت المصارحة في زمن ضاع فيه الحق وتاهت الحقوق، فلا حقيقة تعلو على حقيقة الحاكم وقرآنه، وليس مطلوبًا منك إلَّا إغماض عينيك وصم أذنيك ودفن عقلك، وأن تلتزم طائعًا بقاعدة: «اسمعوا كلامي أنا بس».

هذا آوان كل ما هو صاخب وصفيق، وأول درجات سلم الترقي أن تخاطب رؤسائك دائمًا بعبارة: «تمام يا فندم»، وإن رأيت الخطأ ولامست الظلم.. «اعمل نفسك من بنها».

سيدي، من دخل التاريخ من باب البطولة فهو آمن، ومن دلف إليه متكئًا فقط على خيالاته وأوهامه، حلت عليه لعنة الدخلاء فصار موضع تندر وتفكه من الخاصة والعامة، ولو سلك أي حاكم درب الحق سنكون له عضدًا، مؤمنين به غير متملقين له، أما لو سار في طريق الهوى وتلبسه جنون العظمة، واجهناه بسلاح المداد والكلمات، وهذا أضعف الإيمان!