الحكم العثماني.. عصر استعباد المصريين (4)

بالرغم من أن المماليك في أغلب فترات حكمهم لمصر كانوا أسوأ مثال للحكم الجائر الذي يعتمد على قهر الشعب واستغلاله أسوا استغلال، ونهب الثروات والأموال بكل وسيلة ممكنة- إلا أن كثيرا من الشواهد يشير إلى حصافة وحسن تقدير في العديد من الأمور المتعلقة بالحكم كان من شأنها انتظام الحياة في مصر، بل وازدهارها في مناحي شتى، وليس من غريب الرأي أن نقول أن المماليك قد تمصَّروا على نحو ما، لم يخالطوا أهل البلاد، ولم ينتظموا في حياة اجتماعية طبيعية؛ إذ طغت عليهم طبائع التوحش والتوجس والخشونة؛ لكنهم على نحو ما ارتبطوا بمصر بأواصر متينة، وروابط قوية جعلتهم حريصين كل الحرص على تخليد ذكراهم بأعمال إنشائية كالمساجد والوكالات والأسبلة والمدارس وخيرية كالأوقاف، مما كان يعود نفعه على عموم المصريين بشكل أو بآخر.. بطبيعة الحال لم يكن المماليك واعيين إلى ضرورة وأهمية عوامل الضبط الاجتماعي التي تبقي المجتمع بمعزل عن هاوية الصراعات الداخلية والتناحر الذي يؤدي إلى التفكك والانهيار، وربما كانت لديهم القدرة على إدراك خطورة التمادي في الظلم والبطش إلى الدرجة التي تدفع العامة إلى الثورة أو الكفاح المسلح ضدهم، لذلك يمكننا القول أنهم بصورة ما فهموا طبيعة الشخصية المصرية المسالمة التي تميل إلى الاستقرار وتستمرئ الخنوع في مقابل حياة تبقى في أدنى صورها، وفق مقومات تقوم على التحايل والمداراة طوال الوقت، كما احترم المماليك على نحو ما عادات المصريين وتقاليدهم، وأبقوا على علائق الاحترام والود مع طوائف من الشعب على رأسها العلماء وطلبة العلوم الشرعية.. وبالقطع فقد حفل هذا العصر الذي امتد لما يربو على قرنين ونصف بحوادث تصل إلى حد البشاعة، وممارسات بحق المصريين تخلو من الرحمة؛ إلا أنه في المجمل كان عصرا انطبعت آثاره على روح مصر فنا وثقافة ورقيا وتقدما.. فلما جرت الحوادث باحتلال مصر من قبل العثمانيين، كان لمحمد بن إياس الحنفي المؤرخ كل الحق في قوله: نوحوا على مصر لأمر قد جرى .. من حادث عمت مصيبته الورى.

ygdeaftrea

في نهاية عصر الدولة المملوكية غالى السلطان الغوري في فرض الضرائب والمكوس، بعد أن انتكست البلاد انتكاسة كبيرة بسبب تحول طريق التجارة العالمية إلى رأس الرجاء الصالح، وبلغت معاناة المصريين حد المأساة بسبب محاولة الأمراء المماليك تعويض خسائرهم بالمزيد من سلب المال من أيدى التجار والفلاحين الذين اضطروا لهجر أرضهم وقراهم مما هدد بتفاقم الأزمة، وقد اضطر الغوري لإلغاء كافة المراسيم المتعلقة بتحصيل الأموال من الفلاحين، ورد بعض الأموال لهم، وإبلاغ ذلك بمراسيم جديدة توجه على الفور للكُشَّاف ومشايخ العربان مع التشديد على سرعة إنفاذ الأوامر، وتشير بعض المصادر أنه لولا ذلك لخربت مصر خرابا غير مسبوق.. لذلك توسم البعض خيرا في السلطان سليم الأول، ورأوا أنه من الممكن أن يأتي بنظام أكثر عدلا لكنهم صدموا بسوء ترتيبه لأمور البلاد خاصة في النواحي المالية كما يذكر الدكتور عبد الرحيم عبد الرحمن في كتابه فصول من تاريخ مصر الاقتصادي والاجتماعي في العصر العثماني- من اعتقاد المصريين أنه لا نظام يحكم العثماني ورجاله فيما يفعلون إذ ” كان يحدث منه، ومن وزرائه كل يوم مظلمة جديدة، من قتل وأخذ لأموال الناس بغير حق… ولم يكن له نظام يعرف لا هو ولا وزراؤه ولا أمراؤه ولا عسكره، بل كانوا همجا، لا يُعرف الغلام فيهم من الأستاذ”.

ويعتبر نظام (السُّخْرَة) أو كما كان يسميه العامة آنذاك (العَوْنَة) من أهم سمات الحكم العثماني في مصر، ولم يكن هذا النظام مستحدثا في مصر من قبل العثمانيين، بل كان موجودا على نطاق ضيق في عصر المماليك، وكان غالبا ما يُلْجأ إليه عند حدوث الفيضانات، إذ كان الفلاحون يُخْرَجُون من قراهم قسرا ” لرفع الضفاف والجسور والسهر عليها بلا أجر لقاء جهدهم واغترابهم، وكان الأمر كذلك في سنوات غزو الجراد” ويشير الدكتور عبد الحميد حامد سليمان إلى أن مفهوم مصطلح السخرة يتسع” ..من خلال التدقيق في المعطيات الوثائقية عبر فترة الدراسة والنظر في مدلولاتها ليضيف إلى ما سبق من رؤى ومفاهيم انصرف جلها إلى الشكل السافر من أشكال السخرة المرتبط بالعمل القسري الإجباري والذى ترادفت فيه لمعاني السخرة كلمات عديدة مثل العونة والخدمة والرسالة والمغارم وخدمة السلطنة الشريفة والمهم السلطاني والسُّخَر السلطانية والتخضير وحش البرسيم وضم الأوسية وجرف وتطهير الترع والجسور وغير ذلك ما نميل إلى تسميته جوازا بالسُّخرة المقنَّعة ليضيف إلى معنى السخرة المباشرة المجردة معنى أعمق وأشمل لا يغض الطرف عن العسف الضرائبي الذى يتراجع ويتآكل معه عائد الفلاح إلى الحد الذى يكاد يأتي به المتنفذون من ملتزمين وإداريين وعسكريين على معظم ناتج كدَّه وعرقه بأشكال ومسميات مختلفة ولا يبقى له إلا ما يقيم الأود ويبقيه في دولاب العمل هو وأسرته .

fgafdeaw

وغير بعيد عن ذلك ما يعانيه الحرفيون والتجار لا سيما البسطاء منهم من حمايات وابتزاز ومغارم تقتطع جزءا مهما وضروريا من عوائدهم بلا مسوغ إلا ما يحوزه أولئك المتنفذون من عسكريين ومماليك وملتزمين ومشايخ للعربان من السلطة والقوة والنفوذ وهم يمارسون ذلك في ظل اختلال مفهوم الضبط الاجتماعي ونظامه لديهم ولدى الإدارة على اختلاف مستوياتها، ومثل ذلك يمثل في تقديرنا ألوانا من السخرة غير المباشرة والتي توضحها بجلاء المقارنة والربط بين تلك الأعباء في مسمياتها المختلفة وبين ما يسبقها من جهود دافعيها وأوقاتهم ومحصلات أعمالهم”.

سنرى إذن أن الأمر لم يتوقف عند تجريف الصناعة المصرية بانتزاع أمهر الصناع وإجبارهم على مغادرة البلاد متوجهين إلى عاصمة بني عثمان، وإبقائهم هناك للعمل ليل نهار من أجل بناء مجد الدولة العثمانية الزائف والمستلب، وعدم السماح لهم بالعودة إلى مصر إلا في زيارات سريعة- بل إن الأمر وصل إلى استعباد الغالبية العظمى من المصريين بنظام السخرة الذي كان نتيجة لعدة عوامل منها تعدد القوى المتنفذة في المجتمع المصري من مماليك وإنكشارية وقادة عسكريين وإداريين بالإضافة إلى الوالي ورجاله وموظفيه اجتمعت إرادتهم على استغلال المصريين على أسوأ وجه لتكوين ثروات لا تدخل ضمن الإيرادات الرسمية التي يذهب معظمها لخزائن السلطان، وقد كان تخلف الاقتصاد العثماني وانغلاقه، وتوقفه عند الاساليب القديمة في الوقت الذي حققت فيه العديد من الاقتصادات الأوربية قفزات كبيرة- دافعا إلى المزيد من تحميل الولايات فوق ما تحتمل من الضرائب والجبايات، مع تعاظم الإنفاق الحربي بسبب الحرب في أكثر من جبهة.

gdszfgvr

ويشير الدكتور سليمان إلى أن التوسع في نظام الالتزام، الذي أخذ شكلا من اشكال الإقطاع العسكري في أواخر القرن السادس عشر- ساهم بشكل كبير في توسيع نظام السخرة، وتعدد مظاهره من سُخرة مباشر كالعمل في تخضير بلاد الكشوفية (أرض ملك الكُشَّاف تؤدى عنها الضرائب) وكذلك زراعة الأوسية ( أرض معفاة من الضرائب ضمن أراضي الملتزم) والعونة وهي أعمال تتعلق بالحصاد و”حفر القنوات وتطهير المصارف وإنشاء دار الأوسية وحظائرها وأجرانها”. وسخرة غير مباشرة كإجبار العمال والحرفيين على خدمة أصحاب النفوذ دون مقابل، أو إجبار المصريين على تسليم ركائبهم وبهائمهم للسلطات لنقل حمولات أو عتاد يخص الحملات العسكرية على الحبشة أو جنوب الجزيرة العربية، كذلك استخدام المراكب النيلية المملوكة للمصريين في نقل المحاصيل والغلال دون مقابل.

لقد كان حكم بني عثمان لمصر حكما لا رشد فيه ولا عدل، بل سلسلة مستمرة من الاستغلال والاستعباد والظلم دون رادع من دين أو ضمير، أبقى على كل أشكال فساد الحكم المملوكي، واستحدث ما لم يخطر على بال من وسائل البطش والقهر وأكل أموال الناس بالباطل؛ ليصير عن جدارة واستحقاق عصر استعباد المصريين بلا أدنى تحامل أو تجني.