التهريج والفهلوة في حياتنا المصرية

 

إن النظرة الفاحصة إلى حياتنا المصرية اليوم لا يمكن أن تنم إلا عن شىء واحد، هو أن الروح المسيطر علينا الآن هو روح التهريج، فنحن قوم نريد أن نضحك ونمزح ونهزل في كل حين، ونحن نريد من كل شىء المظهر، ولا نعبأ بالجوهر، كل مشروع حيوي ينقلب عندنا إلى احتفالات وإعلانات، ولا شىء بعد ذلك، وكل هدف عندنا هو الوصول الشخصي بطريق الطبل والزمر، ولا عمل خلف ذلك، لقد أصبح شعار النجاح في كل الأفواه: “هرج تصل”.

هذه السطور التي قرأتها للتو أيها القارئ العزيز، يؤسفني ويحزنني أن أقول لك إنها سطور مقتطعة من مقالة للكاتب الكبير توفيق الحكيم نشرت فى عام 1950، نعم عام 1950، أي أنها كلمات كتبت منذ حوالي سبعين عاما ومع ذلك تبدو وكأنها كتبت اليوم، فبعد مرور كل تلك الأعوام على هذه المقولة لتوفيق الحكيم، ما زال التهريج والفهلوة يتصدران المشهد الاجتماعي والتعليمي والثقافي والإعلامي والإداري الحكومي بل والسياسي والاقتصادي في مصر، ووجودهما لا يقتصر على أبناء طبقة اجتماعية معينة أو أتباع طائفة مهنية محددة أو أصحاب مستوى تعليمي معين، إنما بات وجودهما من الظواهر الواضحة في كل الطبقات والطوائف والمستويات، وفي كل العهود.

في كتابه “في كواليس الشرق الأوسط”، كتب إيريك رولو، الكاتب الصحفي بجريدة لوموند الفرنسية، عن أوضاع الجيش المصري أثناء حرب 1967، يقول: “كان من الصعب تصديق ما اعترى القيادة العليا للجيش من تراخي (يقصد تهريج)، فلم يكن اللواء صدقي محمود، قائد القوات الجوية، في موقعه يوم وقوع الهجوم الإسرائيلي، فقد آوى إلى فراشه فجر الخامس من يونيو، بعد ليلة سمر واحتفالات لا تنسى، قضاها عشية في أنشاص، في قصر الصيد القديم الخاص بالملك فاروق، وبفضل سهير زكي، راقصة مصر الأولى، انتهى الحفل الميمون بإعصار من البهجة الهوجاء، والمثير للفضول هو أن اللواء محمود كان قد منح إذن بإجازة أربعة وعشرين ساعة لحوالي ثلاثين بالمائة من طياريه في اليوم نفسه الذي قامت فيه الحرب، كما غاب أيضا اللواء مرتجي، قائد جيش سيناء، الذي كان قد أخذ إجازة لقضاء عطلة نهاية الأسبوع بصحبة زوجته على ضفاف بحيرة التمساح، القريبة من قناة السويس، ولما كان الالتزام بحالة التأهب يستمر طوال الليل فحسب – وكأن شن الحرب نهارا أمرا غير لائق – فقد كان الطيارون يتناولون قهوتهم الصباحية حين كانت مدارج الطيران في مطاراتهم تتعرض للتدمير تحت وابل القصف، أما ذروة هذه الملهاة المأسوية، إذا جاز التعبير، فهى أن القائد الأعلى للقوات المسلحة، المشير عبد الحكيم عامر، كان مفقودا، فقد كان يتنقل بطائرته الخاصة، غير قادر على الهبوط في أي من المطارات، التى كانت خاضعة لقصف المهاجمين”.

وقبل ذلك، كانت القوات المسلحة قد أنتجت صاروخين باسم القاهر والظافر، وكان عبد الناصر يقول في خطبه الجماهيرية إن مدى الصاروخ القاهر يصل إلى 600 كيلو متر، ومدى الصاروخ الظافر يصل إلى 350 كيلو مترا، ويستطيعان ضرب إسرائيل بسهولة، وشارك الصاروخان في العروض العسكرية التي كانت تجرى كثيرا في شوارع المدينة في ذلك الوقت، وهللت الجماهير حينما شاهدتهما، وأيقنت بأن زوال إسرائيل أمرا محتوما وقد أصبح مسألة وقت، وبعد الهزيمة تساءل الناس: أين الصاروخان؟ ولماذا لم يستخدمهما عبد الناصر في ضرب تل أبيب كما وعد؟ وظل الأمر في طي الكتمان حتى تولى السادات الحكم وطلب إعداد تقرير عن الصاروخين، وكانت نتيجة التقرير أن الصاروخين كبيران في الوزن والحجم (كان الصاروخ القاهر يزن حوالى 2.5 طن)، وسرعة مركبتهما بطيئة جدا، ما بين ثمانية إلى عشرة كيلو مترات في الساعة، وعلى أرض ممهدة أو صلبة، ولا يوجد فيهما أي وسيلة دقيقة لتحديد الهدف سوى توجيه القاذف يدويا في اتجاه الهدف، أي بالفهلوة، ولذلك كانت نسبة الخطأ تصل إلى 800 متر، وأن مداهما لا يصل إلى 600 أو 350 كيلو متر كما قيل، إنما ثمانية كيلو مترات فقط، كانت المخابرات الإسرائيلية تعلم الحقيقة وتعلم أن الأمر كله تهريج ودعاية سياسية، أما الوحيد الذي لم يكن يعلم فكان الشعب.

ووسط زحام التهريج والفهلوة والإنجازات الزائفة في عهد عبد الناصر، أعلنت إحدى المحافظات المصرية أنها أنشأت مزرعة للأبقار والجاموس تنتج كميات هائلة من اللبن سيتم تعبئتها آليا لتصل إلى المستهلكين بشكل صحي نظيف ورخيص، وكميات كبيرة من اللحوم ستطرح في الأسواق ليأكل منها الفقير قبل الغني، وأعلن عبد الناصر حينها أنه سيذهب لافتتاح تلك المزرعة المعجزة، فماذا يفعل المحافظ ومعاونوه للخروج من تلك الورطة؟ جمعوا من الفلاحين ما يملكون من أبقار وجاموس مقابل مبلغ من المال لكل بقرة أو جاموسة، ووضعها فى المزرعة لحين انتهاء زيارة السيد الرئيس، ثم يسترد الفلاح مواشيه ومعها مبلغ المال المتفق عليه مقابل تأجيرها للمزرعة مدة زيارة الرئيس، لكنهم عجزوا عن جمع كمية اللبن التي تماثل ما أعلنوا عنه في الصحف، فما كان من عباقرة الفهلوة وجهابذتها إلا أن تفتقت عقولهم عن اختراع عجيب، حيث أذابوا مادة الجير في الماء، ثم أجروه في المواسير التي من المفترض أنها تعقم اللبن وتصبه في العبوات التي ستباع للجمهور، وبعد انتهاء زيارة السيد الرئيس وما صاحبها من زفة إعلامية كبيرة، أعاد المسؤولون المواشي لأصحابها، لكنهم عجزوا عن تطهير مواسير اللبن من الماء المذاب بالجير داخلها، حيث تجمد الجير داخل المواسير، وتحولت مواسير المعمل الجديد إلى خردة، وضاع ثمنها الذي دفعه الشعب من عرق جبينه.

وفي عهد مبارك، يستمر مسلسل سوء التخطيط وإهدار المال العام في صورة مشروع توشكى، وكان هذا المشروع قد ظهر فجأة بعد زيارة لمبارك لمنطقة النوبة لافتتاح مفيض توشكى في مطلع عام 1997، ورافقته حملة دعائية هائلة عما أطلق عليه وقتها في الصحافة الرسمية “المشروعات القومية الكبرى في عهد النهضة المباركية”، وترافق معه مشروعات: حديد أسوان، وشرق التفريعة، وترعة السلام، وشرق العوينات، ووعدت الحملة بخلق دلتا جديدة جنوب الصحراء الغربية موازية للنيل، تساهم في إضافة مساحة تصل إلى نصف مليون فدان للرقعة الزراعية، وتخفيف الكثافة السكانية في الوادي القديم، وحل مشكلة البطالة، بينما كان الهدف الحقيقي للمشروع هو تمجيد الرئيس مبارك والترويج لنظامه السياسى، ونتيجة لسوء التخطيط وارتفاع تكلفة استصلاح الفدان ونقص منسوب المياه في بحيرة ناصر، توقف العمل في المشروع بعد أن تجاوزت الخسائر أربعة عشر مليار جنيه.

وبعد الثورة، يتكرر سوء التخطيط وإهدار المال العام في مشروع قناة السويس الجديدة، التي قال رئيس هيئة قناة السويس إن دخلها سيصل إلى مائة مليار دولار سنويا، وقال رئيس الدولة إن نفقات حفرها تم استردادها بعد أسبوع واحد فقط من افتتاحها، والحقيقة أن دخل القناة لم يزد جنيها واحدا بل تقلص بسبب انخفاض حركة التجارة الدولية، الأمر الذي كان معلوما مسبقا للجميع، إلا للنظام الحاكم، نتيجة لعدم القيام بدراسة جدوى اقتصادية حقيقية للمشروع، كما تم البدء في تنفيذ المشروع قبل إجراء دراسات لفحص التربة وتحديد منسوب المياه الجوفية، ولذلك فوجئت الهيئة الهندسية للقوات المسلحة بظهور المياه الجوفية على عمق ثمانية أمتار فقط من سطح الأرض بعد أسبوعين من بدء عمليات الحفر، بعد أن كانت الهيئة تتوقع ظهورها على عمق أربعة وعشرين مترا، وتخطط أن يتم الجزء الأكبر من المشروع بالحفر الجاف وليس من خلال تكريك المياه المشبعة بالرمال، الأكثر صعوبة والأعلى تكلفة، وهو الأمر الذي اضطر الهيئة في النهاية إلى الاستعانة بشركات تكريك أجنبية، والمؤسف أن مليارات الدولارات التي تم دفعها لهذه الشركات، كان يمكن توفيرها لو تم الحفر خلال خمسة أعوام باستخدام كراكات هيئة قناة السويس فحسب، وليس في غضون عام واحد كما أمر رئيس الدولة، خاصة أنه لم تكن هناك ضرورة للعجلة في تنفيذ المشروع سوى رفع الروح المعنوية للشعب كما قيل لاحقا، وفى النهاية، بعد أن كانت قناة السويس أحد أهم مصادر الدخل القومى لمصر، ومصدر مهم للعملة الصعبة، أصبحت عبئا على اقتصاد البلد وتحتاج للاقتراض لسداد قيمة شهادات قناة السويس الجديدة (64 مليار جنيه) بالإضافة إلى فوائدها.

فى البلاد الجادة التي لا تعرف التهريج والفهلوة، بعد أن تحقق الحكومة إنجازا في إحدى المجالات، يلمس الشعب بنفسه نتائج هذا الإنجاز في حياته من انخفاض الأسعار، أو زيادة المرتبات، أو فتح مشروعات جديدة تستوعب العاطلين، أو رفع مستوى الخدمات التي تقدمها الدولة للمواطنين، إلخ، أما في بلادنا، فتؤكد الحكومة ليل نهار عبر وسائل الإعلام على الإنجازات التي تحققت، التى لا يرى معظم الشعب أن لها أثر على أرض الواقع، تماما كما في فيلم “سر طاقية الإخفاء”، عندما يمسك الشرير توفيق الدقن علبة صغيرة في يده، ويسأل جاره الطيب عبد المنعم إبراهيم: “العلبة دى فيها إيه؟”، ويملى عليه إجابة عجيبة لا يقبلها عقل قائلا: “العلبة فيها فيل”، ورغم دهشة جاره الطيب وعدم اقتناعه، فقد اضطر مع إصرار الشرير والتهديد الذى يمارسه تجاهه إلى أن يكرر هو الآخر أن العلبة فيها فيل، ثم صار يعطي الإجابة تلقائيا بعد أن أقنع نفسه بها، ربما خوفا أو استسلاما.

شىء من هذا القبيل تفعله الحكومة مع الشعب، فما أكثر الدعاية عن إنجازات خارقة، تعجز عنها أكبر الدول تقدما، ونسمع عن مشاريع ضخمة لو تحقق عـُشرها لصارت حياتنا سهلة وميسورة، ولتم القضاء على كثير من مشاكلنا، ولاختفى الفقر من حياتنا تماما، وسرعان ما تتبخر الوعود، وتصطدم جماهير الشعب بالواقع، ونضطر نحن والأجيال القادمة إلى دفع ثمن هذه المشاريع العملاقة والأحلام الزائفة، ومن ثم تحمل المزيد من الديون، والمزيد من الفقر، والمزيد من الغلاء، والمزيد من البطالة، والمزيد من انحدار مستوى الخدمات، وفوق ذلك المزيد من الظلم والقهر والاعتداء على الحريات، كنا هكذا دائما، وسنظل هكذا مادام التهريج والفهلوة – ومن قبلهما الاستبداد والفساد – هما القانون والعـُرف السائد في حياتنا المصرية.