الإعلام الليبرالي وترامب

تابعت الإعلام الأمريكي خلال السنة الماضية، وذلك لأنني كنت مهتم بالصراع الرئاسي هناك في عام 2016. بعض الأشياء لم تدهشني لكن البعض الآخر كان مفاجئا لي بعض الشيء. وأود اليوم لو أبرز بعض تلك النقاط التي لاحظتها في محاولة لكشف الستار عن بعض ما نسميه بالـ”حلم الأمريكي” ليساعدنا ذلك على توضيح الرؤية المستقبلية ولمساعدتنا على كسر أصنام الماضي المتحجرة في أذهاننا.

الحملات الانتخابية

تعتمد الأنظمة الانتخابية في الولايات المتحدة الامريكية على مصادر تمويل لها توصيفات معينة في القانون لديهم. لا أعتبر نفسي ضليع في هذا الموضوع لكن الواضح أن المصادر تحصر في: فردية ومنظمات (أحزاب ومؤسسات) وحكومية. حتى العام 1976 كان هناك قانون يضع سقفا للتبرع المستقل للحملات الإنتخابية. كان هذا السقف هو الحماية للمجتمع الأمريكي وللنظام الرئاسي هناك من أن يقع فريسة للرأسمالية التي يمكن من خلال ضخ أموال ضخمة في الحملات الانتخابية أن تحول الديمقراطية لمجرد غلاف أنيق لنفس المنتج القديم الذي كانت تنتجه الإقطاعية القديمة وماركنتالية عصر النهضة في أوروبا، فبالزواج الغير شرعي بين رأس المال وإدارة البلاد لا يمكن أن يكون الانتخاب إلا تأكيدا على أن الإنفاق الذي تم في الحملة الإنتخابية قد حقق نتائجه، بالإضافة إلى ضمان شراء ذمة العضو المرشح بالكامل ليتحول للعبة أو مجرد واجهة للشركة أو الهيئة الداعمة التي ساعدته في تحقيق نجاحه في الانتخابات، وكان الأحرى أن تكون الحملة الإنتخابية هي مجرد إعلام للناخب بالأزمات الراهنة أو الطموحات المستقبلية التي تنوي الإدارة المقترحة تناولها في فترة الإدارة ومن ثم تعريف الناخب بالخطوات الفعلية التي تنوي اتخاذها لتحقيق هذه الأهداف (الموضوع أقرب لنظام الرؤية والمهمة والاستراتيجية والأهداف). أما اليوم ومع رفع سقف الدعم للحملات الإنتخابية لم يعد أكثر من كونه برنامج تنافس مهاري؛ من سيقنع أكبر عدد من الجمهور أنه هو الذي يستحق الجائزة.

نلاحظ هذه الطفرة في نموذج “بيرني ساندرز” الذي وإن اختلفنا معه على خلفيات كثيرة إلا أن برنامجه الانتخابي القوي (الضمان الاجتماعي القوي للمواطن الأمريكي عن طريق فرض ضرائب الدخل على الأغنياء ومحاسبة البنوك التي تسببت في انهيارات 2008 الإقتصادية) وخلفيته الثقافية والعلمية القوية التي تلاحظها في خطبه وكلامه عن شتى مجالات النظام السياسي والاقتصادي لم تحقق جدواها في أن تجعله المرشح الرئيسي للحزب الديمقراطي؛ ذلك أن نظام الانتخاب هناك داخل الحزب لا يعتمد فقط على أصوات الناخبين المباشرين من الشعب فقط، ولكن أيضا على آراء ما يمكن وصفهم “بمجلس إدارة الحزب” وهم يستطيعون التصويت للمرشح الذي يرونه مناسبا دون الالتزام بالمرشح الحاصل على أغلبية أصوات أعضاء الحزب من الناخبين. هو إذا نظام معقد أكثر مما نتخيل وكلما قرأنا أكثر عنه كلما أدركنا أن “الديمقراطية” هناك ليتها كما تصورها لنا هوليوود والبرامج التلفزيونية، وأن الموضوع ليس بهذه البساطة.

نستنتج من هنا أن الحملات الانتخابية بزخمها الإعلامي الكبير بالإضافة لمن يحركون الخيوط من خلف الستار في الأحزاب هم من يؤثرون في الرأي العام بشكل كبر لدرجة تنزع روح الديمقراطية من العملية ككل.

الثقافة العامة والتلاعب بالمشاعر

ظهرت انتخابات 2016 كنموذج مستفحل من الترهات والكوميديا. ملأت شاشات التلفاز ومواقع الإنترنت المختلفة المقاطع المخزية والمضحكة للرؤساء. تشعر أنك تشاهد برنامج كوميدي كالكاميرا الخفية أو برنامج عرض مواهب مثل البرامج المشهورة التي تكتسح القنوات هذه الأيام.

لم يعد موضوع اختيار القائد يخضع للمعايير التي كنا نعتقد أنه ينبغي أن يخضع لها، من ثقافة ومعرفة واحترام وكياسة، بالإضافة للخبرة والحنكة في أمور الإدارة. لم يعد الأمر كذلك البتة. هاهو سباق رئاسي شاهدنا فيه أحد الأطراف يتلذذ بمفاجأة الجمهور وجعله في حالة تأهب مستمرة لتصرفاته غير المتوقعة وردوده غير المفهومة واللا معقولة.

شخص كل ما يؤهله لقيادة البلاد هو “أنظروا إلى أموالي الكثيرة كيف صرفتها في مشاريع مختلفة، بعضها نجح وكثير منها فشل لكن مازال لدي الكثير من النقود” ثم القليل من السخرية المفتعلة من المنافسين مع طرح آراء كانت تتغير حول نفس الموضوع حسب الجمهور وحسب الموقف. ربما أراد هذا الرجل أن يتصف بدرجة جديدة من المرونة السياسية “ماذا تريدني أن أقول؟” قل لي ما هي الإجابة الصحيحة حتى أستطيع أن أجيبك” أسلوب فعلا لا يتبعه مسؤول مثقف يعرف أن القائد يأتي ليقود لا ليتعلم كيف يقود.

في المقابل لدينا شخصية غامضة محاطة بآلاف علامات الاستفهام وتاريخ غامض كُشف الستر عن البعض منه من خلال فضيحة الرسائل الإلكترونية المسربة. لم يحدث من هذا الشخص رد مناسب وقوي وفوري على الموضوع لكن تم تحويل أصابع الاتهام للدب الروسي والعدو القديم أو “بعبع الدولاب” الذي يظل مستترا في الظلام إلى أن يأتي دوره في تذكير عموم الشعب الأمريكي بالعداوة القديمة التي لم يعد الشباب الأمريكي يعرف سببا محددا لها لكي يظل الوعي الأمريكي تحت السيطرة.

لم يخرج رد مسؤول ومنمق أو اعتذار واضح يكشف لماذا حدثت هذه الأخطاء ولماذا حدث التسريب في الأصل. كانت الإجابة دائما “روسيا روسيا روسيا… بوتين بويتن بويتن”. لا أنقل لكم الصورة التفصيلية للأحداث ولكن أنقل الصورة التي كانت تصل للمواطن العادي، الذي لم يهتم بدراسة نظريات الاقتصاد وأساليب المراوغة السياسية لكنه فقط يهتم بأن يضع الطعام لأسرته على المائدة، ويريد أن يختار القائد الذي يتخذ الإجراءات التي تحافظ له على هذه القدرة، وياحبذا لو تزيد ما لديه من قدرات مادية ليستطيع توفير مستوى حياة أفضل لأسرته.

في المقابل نجد تيار المتشددين يذكر أمريكا بأمجاد الماضي “اجعلوا أمريكا عظيمة مرة أخرى”… إن اللاتينيين والمهاجرين الغير شرعيين هم السبب في مص دمائكم ونفاذ أقواتكم فهم البعوض الذي يتغذي على دمائكم بالليل. أعطوني القوة لأخلصكم من هذا العبء وأعيد لكم أمجاد الماضي. ناهيك عن السخرية التاريخية من هذه العبارات فأنتم بالأصل مهاجرين غير شرعيين، لكن دعنا نتأمل هذه الوعود والتخطيط وراء هذه الوعود الذي يضمن تنفيذها وتحقيقها. هنا نأتي للمرحلة الجديدة من الخداع “لا يجب أن أعرف ماذا أفعل، يجب فقط أن أعرف الكفاءات التي يمكنها أن تفعل ما أريده” أو كما قال ترامب “أنا أعرف أفضل العقول والخبرات في العالم…” هكذا يجيب على كل سؤال حول الكيف… سأعين من يستطيع فعل ذلك. لماذا يبدو هذا مبتذلا وسخيفا لأن الواضح هنا أن الخطة تبنى بشكل عشوائي… فنحن نبحث عن الجمهور ثم نبحث عن طلبات الجمهور ثم نعطي الوعود ثم نعين الفريق الذي سينفذ تلك الوعود.

هذا مناقض لتصور قائد أعظم دولة في العالم، فالقائد في هذه الدولة يستخدم الحملة الإعلامية لتوجيه المجتمع نحو أوجه النقص، ويطرح بالفعل برنامجا كان يعمل عليه منذ سنوات مع فريق على مستوى عالي من الخبرة في هذه المسائل، لا أن يتخذ من الحملة الانتخابية فرصة لتكوين تصور عما يمكن أن يفعله لو قدر له أن ينجح. وهذا نتيجة مباشرة لكون المنصب تحول للعبة في يد حفنة من الرجال لديهم المال الكثير والأهداف والطموحات الخاصة، وبالتالي يفضلون القائد الجاهل والفارغ ليلجأ لهم في تصميم محتواه الفكرى وتحديد أهدافه. يتضح هذا في نموذج ترامب الذي عندما تأزم موقفه عند اختيار فريق عمله الرئاسي لم يلجأ للشعب أو للناس ولكن لجأ لنفس رجال الأعمال الأغنياء الذين يعاني من جشعهم الشعب ليبني فريقه الإداري.

إذا كل هذا التلاعب بالمشاعر والأحاسيس وزرع أحلام العظمة ومجد الماضي لم يكن إلا وسيلة تلاعب للوصول لقلب الناخب، كما أن فزاعة روسيا وعدم احترام حقوق “النساء والشواذ والأقليات” كان فزاعة الفريق الآخر. فتحول الموضوع من “انتخبني لأنني أفضل في المهارات الفلانية…” إلى “انتخبني لأنه أسوأ مني في الأمور الفلانية…”. فتحول الأمر للناخب من اختيار الأفضل لاختيار الأقل سوءا، وهي ذهنية سيئة يدرك فيها الناخب أنه خاسر في الحالتين لكنه يحاول اختيار الخسارة الأقل فداحة. لم يعد الأمر يتعلق بالأمل في الأفضل لكن بالأمل في الأقل سوءا… أو باختصار “الحلم الامريكي”.

الإعلام وما بعد المعركة

لم تعطي القنوات الإعلامية خاصة تلك التابعة للحزب الديمقراطي (فريق هيلاري) الفرصة للراحة بل راحوا يهاجمون الطرف الآخر على كل صغيرة وكبيرة حتى من قبل أن يتسلم رسميا زمام الأمر في البلاد، وقبل أن تبدأ فترته الرئاسية رسميا.

الموضوع أشبه بتصيد الأخطاء بل اختلاق أو تهويل الهفوات التي يمكن أن تحدث مع أي شخص. نعم هناك أخطاء لكن تحويل أمر هام مثل شخصية القائد لموضوع الحديث الهزلي والبرامج الساخرة لن يؤدي في الحقيقة لتغيير الواقع المشؤوم للبلاد بل سيساعد على خلق نوع من الاستمتاع والتقبل لتلك الأخطاء…”أدينا بنضحك على الأقل…” الموضوع أكبر بكثير من بسمة أو ضحكة ومعدلات مشاهدة على القنوات والمواقع… الموضوع هو أن الدولة التي تدعي أنها الأعظم في العالم والشعب الأذكى أو الشعب النموذجي… هذا المجتمع فشل في اختيار أقوى كادر نخبوي في بلده، واضطر نتيجة لتلاعب البعض من جهة وإلى التجهيل المستمر والتدليل الثقافي (لن أقول لك إلا ما تريد أن تسمعه) كل هذا أدى إلى اختيار نموذج كارثي يتفق مع المقدمات الثقافية والإعلامية والاقتصادية التي قادتنا إلى هذه النتيجة، أو كما يقولون في المنطق أن النتيجة تتبع أخس المقدمتين. لدينا اليوم حالة أو نتيجة اختيار تم على أساسها اختزال كل مقدرات الشعب وقدراته ومواهبه في شخص معين سيكون له الحرية في استخدام هذه القدرات الكبيرة كيفما يشاء لمدة أربعة سنوات. هذا القرار لا يؤثر فقط داخليا على الشعب الذي اختاره ولكن على العالم أجمع سلبا وإيجابا.

والسؤال هنا في النهاية… هل مازال الاقتناع الزائف بأن الآلة الانتخابية غير المقيدة بأي معايير أو بالمعايير الكافية أخلاقيا وسياسيا واقتصاديا هي السبيل لسعادة ورخاء المجتمعات؟… هل مازال هذا الاقتناع يحظي بالمصداقية والذي تم نقده منذ آلاف السنين نظريا، واليوم نشاهد فشله عيانا بيانا عمليا على أرض الواقع… أم أننا في حاجة ماسة على أعتاب القرن الجديد لنظرية إنسانية واجتماعية واقتصادية حقيقية تبنى على الأسس العلمية الفلسفية السليمة، وتستنتج وفق ما يطابق واقع الإنسان وماهيته الاجتماعية، وتكون أهدافها هي القيم الإنسانية المطلقة مثل الحق والعدل والخير والجمال… لتتحقق السعادة الإنسانية الحقيقية لا الزائفة التي لا نراها إلا في الأفلام… هل ندرك أننا مفتقدين لهذه النظرية أم لازلنا على العند والتعنت القديم؟!!!