اقتصاد الغرب.. أصوات غير مألوفة

“لا يمكنك أن تبني الاقتصاد إلا على الربا أو على العمل”.. كلمات قوية استمعت لها – وعلى عكس اعتقاد البعض- ليس من رجل دين، ولكن من محاضر اقتصاد كبير اسمه دكتور يوجين مايكل جونز، هذا المحاضر الجريء الذي يهز أساسات العقل الجامدة التي لم تؤسس على دليل صلب وقوي عند الاستماع لمحاضراته، لا أعتبر نفسي من المتابعين باستمرار لهذا الرجل، ولكني صدمت فعلا من النظريات التي يطرحها، نظريات جعلتني أتعجب بالفعل من الطريقة التي يمكن لنا أن نعيد بها بناء تصوراتنا عن أي شيء وكل شيء لو فقط كان لدينا الوقت والقدر الكافي من الشجاعة لخوض غمار غير المألوف والغامض.
ثروة الأمم – نظرة شاملة

ينظر للاقتصاد في الاتفاق العام بين الكتب التي تناقش مواضيعه على أنه العلم الباحث عن طرق توزيع الثروة، وعلى الرغم من أن المعنى التلقائي للثروة اليوم هو النقود، إلا أن الثروة في المفهوم الاقتصادي هي كل مقومات تقديم الخدمات والسلع للفرد والمجتمع؛ فتشمل بذلك المال والعمل والتكنولوجيا والتجارة العالمية والضرائب وكل العوامل الأخرى التي تؤثر بصورة ما أو بأخرى على شكل إنتاج وتوزيع المنتجات والخدمات وتوزيع الدخل على فئات المجتمع واستهلاك المجتمع للمنتجات والخدمات التي تم إنتاجها، عندما ننظر للاقتصاد من ذلك المنظور، يتكون لدينا تصور أعم وأشمل لكلمة “ثروة الأمم”، عنوان هذا الكتاب الثوري الذي كتبه الاقتصادي الاسكتلندي آدم سميث، الذي ربما يكون المعلومة الأكثر تداولا عن الاقتصاد لدينا.
روما – تجربة مهمة

وفي رؤية دكتور جونز، فإن هذه الثروة لا يمكن تفعيل دورها في حياة الإنسان إلا من خلال المجهود البشري والتخطيط الممنهج لتحويل الموارد لمنتجات وخدمات، هذا النشاط لا يتم إلا إما في صورة عمل مشترك في مقابل الأجر أو في صورة ربا واقتراض في مقابل الفائدة لتمويل وإقامة المشاريع تلك، وكان في رأيه الربا هو نوع مطور وسيئ من العبودية القديمة الاعتيادية، فالعمل يخلق الإنسان الحر، بينما الربا يأسره، ويوضح هذا في أحد محاضراته حينما يقدم دراسة لمجتمع روما وأسباب سقوطها في اعتباره، لقد قامت روما (روما المدينة لا روما الحضارة أو الهندسة أو المعمار أو الكولوسيوم) على السياسة التوسعية الاستعمارية، ثم السيطرة على تلك المستعمرات بمزيج من القوة والاستعباد، هذا كان يعود على روما بثلاثة أشياء: موارد (مصر مزرعة القمح لروما مثلا)، والعبيد (ثورة سبارتاكوس)، والمال الناتج من السيطرة التجارية على البحر المتوسط والذي تجرأوا على وصفه بالبحيرة الرومانية وسار على أثرهم الإنجليز الذين سموا المحيط الأطلنطي! بالبحيرة الإنجليزية! لفرط قوتهم البحرية وسعة إمبراطوريتهم الاستعمارية التي “لا تغيب عنها الشمس”.

المهم دخل هذا المزيج من الموارد-العبيد-المال على أهل روما الذين نشأوا في البداية نشأة بسيطة تعتمد على الاجتهاد الذاتي والسعي والتخطيط لتحقيق الأهداف، دخلت الثروة لتميع وترقق من عادات وقيم روما، فدخلت الثروات والموارد بالطبع في يد أسياد روما الذين قاموا بدورهم بإقراضها لباقي رجال روما في مقابل الفائدة الربوية، فأفاقت روما من هذه التجربة على واقع تنقسم فيه المدينة لعبيد وأسياد فقط، فالحرية لم يعد يكفي للحصول عليها أن تكون رومانيا، لكن أن تمتلك التلال الصفراء من الذهب وطوابير العبيد والحشم والأساطيل التجارية في البحر أيا من كنت، هذا ما آل إليه تعريف الحرية لديهم.

نتج عن هذا البناء الاجتماعي القاسي أن ذابت أواصر الود والتفاهم بين الطبقات الاجتماعية التي اختزلت في طبقتين، ولهذا نجد التاريخ الروماني المتأخر حافل بثورات المستضعفين من أمثال المصارعين (عبيد الكلوسيوم) والمسيحيين وغيرهم من الفئات التي ضجت من نظام اجتماعي واقتصادي مصمم عن عمد ليزيد من بؤس البؤساء ومن ثروة الأثرياء، لا أمل لأي إنسان أن تتغير حياته أو حياة أبناءه في هذه البوتقة التي ألقيت في آتون الصراع الطبقي اللعين الذي فتك بها من الداخل قبل أن يتم الفتك بروما من الخارج حينما دخلها الـ”برابرة” أو كل ما ليس رومانيا (لاحظ أن تعريف الرومانية لم يعد واضحا حتى للرومانيين أنفسهم) فسقطت الأسطورة بعد أن حاولت أن تصمد في وجه القضاء المحتوم فترات طويلة من الزمن.
مغارة اللصوص أم بيت الربانيين

دخل الرجل السمح ذو الوجه الصبيح الجميل من الباب، لكنه اليوم لم يكن متبسما ولا سعيدا كعادته في وسط أهله وناسه الذين يحبهم ويناضل من أجل نجاتهم من مهالك الدنيا ومفاسدها، دخل من باب المسجد الأقصى الذي قد بناه أجداده من قبل وطوروه ووسعوه ليكون قبلة العدالة والحكم المقدس على الأرض، دخل ليجد أن رعاة البيت قد خانوا العهد وحولوا البيت الطاهر لماخور الصيارفة، فالبيت الذي كانت تنصب فيه موائد الرحمة للمستضعفين وتقام في مجالس العلم وجلسات الذكر والعبادة.. هذا المكان المقدس التي نذرت له أمه الطاهرة حياتها وخدمتها.. قد تحول لمكان تنصب فيه “البانكا” أو منضدة الصيرفي التي يوضع عليها الميزان.. هذا الميزان ليس لقياس موازين الحكمة والعدل والخير والجمال كما وصفه أرسطو في كتاباته أو سقراط في محاوراته أو أفلاطون في مدينته الفاضلة.. كانت موازين الذهب المقروض الذي يعيره الأغنياء “الرعاة المزعومون” للمستضعفين ليباشروا نشاطاتهم الاقتصادية في مقابل الفائدة والربا، استشاط الرجل غضبا لا لنفسه ولا للمكان ولا لأجداده، لكن لقيم الحق والعدل التي تدنست وتراكمت عليها النجاسات من جراء أفعال هؤلاء الرعاة الصيارفة، هذه القيم المقدسة هي ما استحقت الغضب، لأن هذه الأفعال الدنسة قد ألبست المجرمين لبس الوقار والتدين وألبست المتدين لباس الخسة والندالة، لقد كانت تلك القطع الصفراء هي الفتنة الكبرى لهؤلاء الناس وهم يرون أن الرجال الذين هم رعاة المجتمع صاروا ذئابا تستثمر لا في رخاء الناس، لكن في المصائب والكوارث التي تحل عليهم، فصاح غاضبا وهو يكسر مناضد الصيارفة ويطردهم من بيت العدل “بيتي جعلتموه مغارة للصوص!”.
تشبيه عميق

قارنت النظرة المسيحية الربا بالشذوذ الجنسي، وعندما ذكر الدكتور جونز التشبيه اندهشت من مدى النظرة اللاإنسانية التي يعطيها الدين المسيحي للربا والاتجار بمصائب الناس؛ “فالربا..” كما يقول جونز “.. مثل الشذوذ الجنسي، فالشذوذ الجنسي يأخذ ماهو منتج وخصب وهو الزواج المقدس بين الرجل والمرأة والأسرة التي هي جوهر المجتمع ويحولها للموت والعقم واللا إنتاج بالشذوذ الجنسي، وكذلك الربا الذي يأخذ العمل والعمالة المنتجة التي تنمي الأرض وتبني الحضارة وتحقق رخاء المجتمع ويحولها للعبودية والدين وسجن الرق العقيم الذي يدمر الحضارات”، ويشير هنا إلى أن المعادلة الشاذة الشريرة التي تحقق هذا التحول هي معادلة الفائدة المركبة والتي صممت لكي تدخلك في متاهة حلزونية من الفائدة التي تبدأ صغيرة فتعتقد أنك تستطيع ردها بسهولة، لكن سرعان ما تتعاظم بمعدلات متزايدة ومتضخمة لدرجة تمتص منك كل أخضر ويابس فتتحول كل أنشطة حياتك لخدمة تؤديها للدائن والمقرض الذي لن يمكنك مهما فعلت أن ترد دينك له، ذلك لأن كل أنشطتك التي تقوم بها لا تمس حتى أصل القرض ولكنها فقط فوائد فوائد فوائد فوائد.. ذلك القرض.
أزمة قروض التعليم في ماما أمريكا!

قامت في أمريكا (قبلة العالم المادي الربوي) مظاهرات كثيرة اعتراضا على مسألة قروض التعليم، فالطالب في بداية حياته التعليمية يقترض ليكمل تعليمه الجامعي، على أمل أن يعمل بالشهادة بعد التخرج ليسدد ديونه، هل ترون فداحة هذا النظام الإجرامي؟ لقد وضعت على كاهل ذلك الشاب اليافع عبء دين لن يستطيع تسديده حتى من قبل أن يبدأ بالعمل، أحد هؤلاء المتظاهرين فتاة كانت تحمل لافتة كتبت عليها “اقترضت ثلاثون ألفا، ودفعت أربعون ألفا ومازلت أدين بخمسون ألفا”، هذه صورة صغيرة من الأزمة التي تواجهها أمريكا كشعب في نظام عبودية الفائدة أو النظام الربوي.
من الذي يصرخ اليوم؟

لماذا نتكلم اليوم ونعيد النقاش في موضوع تهتك من كثرة التناظر والخلاف، السبب أن اليوم الذي يئن ليس نحن (الضحايا الأوائل للاستعمار والنظام الربوي الحديث)، لكن اليوم الذي يئن هي أمريكا والشعوب الغربية، إن صيحة “أوقفوا الفوائد والربا” لم تعد تصدر من المتطرف المتعجرف الملتحي ذو الجلباب القصير، لكن من الفتيان المتحضرين في “بنطلونات جينز” و”تيشرتات” ومن فتيات في تنورات قصيرة وبشعر أشقر لامع، هذه لم تعد أزمة مجتمع شرقي، هذه أزمة عالمية كان من المحتوم أن تحدث كما قطع الدومينو المرصوصة في الطابور، لم يحتاج الموقف إلا لبعض الوقت (200 سنة!) ليتبين أن النظام الربوي فشل في تحقيق العدالة الاجتماعية حتى في “أقوى وأرقى” النماذج في التاريخ الحديث، فروما اليوم تئن وتنهار كروما الأمس من وطأة وظلم هذا النظام التعيس الذي لا ينظر في عين الاعتبار إلا لمصالح الأغنياء فقط وليذهب الباقي للجحيم، لذلك فاليوم لا نجده عاقلا من يتهم المعارضين للنظام الربوي بالتخلف أو الرجعية والتطرف.. لأنه هو الآن في نظر جموع الشعب الغربي المتخلف والرجعي لأنه لا يقلدهم، إلا أن كان التقدم والتحضر “الرومانية الحديثة” لم يعد معيارها أن تقلد كل ما هو غربي، لكن أن تقلد أغنياء الغرب فقط.
أورشليم أم بابليون؟

فهذا الصوت هو صوت متكرر تردد في روما من قبل في النقاشات والمهاترات، لكنه لم ينقذ روما الأمس من السقوط كما أن تجاهلنا للأزمة اليوم لن ينقذنا من الهلاك في تبعيتنا العمياء لروما اليوم، أو دعني بالنظرة الإنجيلية أقول بابليون اليوم في مقابل أورشليم اليوم كما كانت في كل العصور السابقة وكما ستظل في كل العصور المستقبلية، الأزمة أن داود وسليمان ويوسف وعيسى (عليهم السلام) ليسوا هنا اليوم ولم يتبقى من أورشليمهم إلا المثال التاريخي والنظرية التي مازالت تحتاج للشجعان من أبناء أورشليم الحقيقيين ليقوم ويقيم دعائم أورشليم والأقصى كما أقامها أجدادنا في سالف الزمان العريق وأن يحرر أبناء هذه المدينة العصماء من قيد قد أذلها وأدمى عنقها على مدى قرون طويلة من الاستعمار الفكري والثقافي تحت ذريعة “اتبعني فأنت لا تعلم كيف يكون التحضر”، لقد اتبعناهم ما فيه الكفاية وتعرضنا للذل والمهانة بقدر كافي واليوم ونحن نرى بابليون تقع علينا أن ننقذ أنفسنا من الهلاك المحتوم وأن نقرر لأنفسنا المنهج الاقتصادي الجديد الذي يحقق بالفعل العدالة الإنسانية لا بالأوهام والوعود المكذوبة والحلم الأمريكي.