استهداف أقباط سيناء ضربة جديدة للأمن

تتزايد العمليات الإرهابية ضد الأقباط بمحافظة شمال سيناء بشكل مخيف من قِبَل تنظيم داعش الإرهابي، الذي كان يستهدف من قبل أفراد الجيش والشرطة وبعض المشايخ والمواطنين المتعاونين مع قوات الأمن، بحد وصفهم.

ووصل الاستهداف إلى عمليات إبادة عرقية دفعت الأقباط إلى الهروب من الموت، بعد فشل الأمن في تأمينهم أو حتى تأمين هروبهم، وسط دعوات المسؤولين لهم بالرحيل والهروب ومنح العاملين منهم إجازه رسمية مدفوعة الأجر لمدة شهر قابلة للزيادة؛ لمنحهم فرصة للهروب والهجرة، وتأكيدًا لفشل الأمن في حمايتهم من إبادة داعش لأقباط شمال سيناء.

واستغلت الجماعات الارهابية تركيز قوات الأمن على الطرق والأكمنة والمنشآت الحيوية، ووجهت عملياتها إلى قلب المدينة واستهداف الأقباط وحرق منازلهم وممتلكاتهم بنفس طرق العصور الوسطى في عمليات الإبادة، حيث يتم وضع علامات على منازل وممتلكات الأقباط ليتم اقتحامها بعدها بساعات وقتل كل من فيها وحرقهم مع ممتلكاتهم، مما أصاب الأقباط بحالة من الفزع، دفعت بعض الأسر إلى مغادرة العريش، في استمرار لموجة هجرة الأقباط من شمال سيناء.

17005877_1670343379657332_268839117_n-1

واضطر عدد كبير من الأسر إلى ترك المنازل والممتلكات وناشدت الأسر الأجهزة الأمنية بتأمين خروجهم، حيث وصل عدد الأسر التي تركت المدينة خلال يومين إلى 45 أسرة أغلبها توجة إلى محافظة الإسماعيلية، والباقي توجة إلى محافظة أسيوط والقاهرة، ومن المتوقع زيادة عدد الأسر المهجرة خلال الساعات المقبلة، لتصبح سيناء خالية من سكانها الأقباط.

16976248_1670343382990665_2095469542_n-1

إبادة عرقية

تحدى الإرهاب المسلح في شمال سيناء قوات الأمن، وبدأ عمليات الإبادة التي نجح فيها تقريبًا وهجَّر غالبية أقباط سيناء، بعد ذبح فتاة قبطية خلال الساعات الأولى من فجر أمس الجمعة، قرب منزلها بمنطقة حي الزهور بالعريش بمحافظة شمال سيناء وتدعى يوستينا كامل، ثم ألقوا جثتها خلف قسم ثالث العريش، ومساء الخميس ذُبح أبوها كامل رؤوف كامل، بالسكين فوق سطح منزله بحي الزهور بالعريش.

16997170_1670343396323997_292704528_n-1

كما قتلوا ستة مواطنين خلال أيام أحدهم يدعى سعد حكيم حنا، وابنه مدحت ثمَّ أضرموا فيه النيران، وقتلوا قبل يومين شابًّا يدعى هاني بنفس الشارع الذي يقيمون به، وسرقوا ونهبوا محتويات محله التجاري بعد قتله، كما قتلوا محاسبًا ومدرسًا، وتاجرًا يدعى جمال توفيق جرجس يمتلك محلًّا لبيع الأحذية.

وكان طبيب قبطي يدعى بهجت مينا وليم زاخر، قد لقي مصرعه بمدينة العريش قبل أيام أيضًا، حيث أطلق دواعش ينتمون لتنظيم «ولاية سيناء» النار عليه أثناء استقلاله سيارته، فلقي مصرعه على الفور، وتم نقل جثمانه إلى مستشفى العريش العام، وبلغت عمليات القتل والحرق منذ بداية يناير 2017، حتى الآن نحو 18 حالة، بمعدل كل ثلاثة أيام قتيل تقريبًا من الأقباط، وتعد تلك النسبة هي الأعلى في تاريخ الأقباط داخل مصر، التي يتعرضون لها بسبب ديانتهم واعتناقهم الدين المسيحي.

16996839_1670343309657339_1351305785_n-1

وتأتي تلك العمليات الإرهابية عقب أيام من بث تنظيم داعش الإرهابي بسيناء تسجيلًا مصورًا يهدِّد فيه المسيحيين في مصر، ويقول، إنَّها الرسالة الأخيرة للانتحاري المسؤول عن تفجير الكنيسة البطرسية في القاهرة في ديسمبر الماضي، والذي راح ضحيته العشرات، وتوعد أحدهم بالتسجيل الصوتي بعمليات ضدهم، على غرار تفجير الكنيسة، وبالأخص المتواجدون منهم في سيناء، كونهم السبب في عرقلة قيام دولة الخلافة الإسلامية، بحد وصفهم.

16933747_1670343359657334_1871590213_n

فرار جماعي إلى كنائس الإسماعيلية

استقبلت الكنائس بالإسماعيليه 29 أسرة مسيحية، فلجأت منذ أمس 19 أسرة مسيحية للكنيسة الإنجيلية بالإسماعيلية بمنطقة البر التاني، بجوار جمارك الإسماعيلية، بينما استقبلت مطرانية الأنبا بشوي بالشيخ زايد 10 أسر.

وقال بيتر أدورد، موفد الكنيسة الإنجيلية بقصر الدوبارة بالقاهره لمتابعه الأوضاع: الكنيسة في سيناء تخدم 100 أسرة مهددة بعد هذه الحملة، وأضاف أن 29 عائلة وصلت إلى الإسماعيلية، بينما هناك 20 عائلة أبلغت أنها تحركت بالفعل، فيما تتخذ الكنيسة الإجراءات كافة، لتسكين ومساعدة ما يطلقون عليهم «إخوان الرب» من الأسر المسيحية الفقيرة، وتوافد على الكنيسة عدد من أعضاء مجلس النواب عن محافظة الإسماعيلية وعدد من القيادات التنفيذية بالمحافظة للعمل على مساعدة الأسر المهجرة من الأقباط.

17012447_1670343389657331_1227497097_n

وقالت نبيلة فوزي جرجس، والمقيمة بشارع سلمان الفارسي بالعريش في شمال سيناء، وهي إحدى اللاجئات للكنيسة الإنجيلية بالإسماعيلية ضمن الـ19 أسرة وابنها الطالب بمرحله الثانوية العامة، إنهم هربوا للحفاظ على حياتهم بعد مصرع عدد من المواطنين المسيحين بالمنطقى، واصبحوا بين خيارين؛ إما فقدان حياتهم أو ضياع مستقبلهم، حيث قتل زوجها وابنها الأكبر أمام عينيها، وتم حراق جثتيهما ومحتويات منزلهم من جانب مسلحين مجهولين ينتمون لتنظيم داعش بسيناء.

وتضيف: في تمام العاشرة والنصف من مساء الثلاثاء، سمعت طرقات مزعجة على باب منزلهم فرفضت الاستجابة للطارق، ونادت على ابنها مدحت، 45 عامًا، ليتعرف على هوية الطارق، خاصة أن الزوج سعد حكيم حنا، مسن ويعاني من ضعف السمع، ولا يقوى على الحركة، وعندما فتح الابن مدحت بفتح الباب، فاجأه ثلاثة مسلحين ملثمين بلكمة قوية أسقطته أرضًا، وعندما حاول النهوض لمواجهتهم عاجلوه بإطلاق الرصاص على رأسه، فلقي مصرعه في الحال، وحاولت الاستغاثة والصراخ لكن المسلحين هددوها بالقتل وبحثوا عن رجال آخرين بالمنزل، ووجدوا زوجها المسن فعاجلوه بطلقة في رأسه، ليسقط صريعًا في الحال، وحرقوا المنزل وبه الجثتان حتى تفحمتا تمامًا، بعد أن سمحوا لها بالخروج كما هي، وتوجهت إلى قسم الشرطة لتبلغهم بالواقعة وتحذر ابنها الصغير الذي تصادف تواجده عند شقيقتها.

16976313_1670343386323998_154604598_n

ويقول إبراهيم حنا، أحد الفارين والمتواجد الآن بمحافظة الإسماعيلية، إنهم خرجوا بملابسهم وتركوا كل شيء خلفهم للنجاة بحياتهم، مؤكدًا أنهم يعيشون حياة صعبة جدًّا منذ قتل د. بهجت ووائل واستمرار استهداف الأقباط، حتى إننا لا نستطيع الخروج الآن من المنزل بعد الساعة الخامسة مساءً، ونخشى على أبنائنا من الخطر، واضطر بعض الأقباط إلى غلق متاجرهم بعد استهدافهم أثناء البحث عن رزقهم، ونحن نبحث عن حل لأزمة أبنائنا بالمدارس وعملنا بقطاع الحكومة.

 وتابع: من المحزن أن نصبح هدفًا للإرهابين لأننا مسيحيون، في ظل غياب الأمن داخل المدنية، فالأمن يحتمي بالكمائن بالخارج ومداخل الطرق ولا يتحرك داخل المدنية، فلذا يجد الإرهابيون الطريق سهلًا لقتلنا إذا ما عجزوا عن استهداف رجال الشرطة والجيش، ونحن الآن في حالة هلع نتساءل: الدور على مين، وأطفالنا ونساؤنا في حالة بكاء مستمر، ويطالبون بمغادرة المدنية، ونحن مرتبطون بالبقاء من أجل رزقنا وعملنا، وإذا ما غادرنا لن نجد مأوى لنا.

16996817_1670343169657353_775766127_n

وأضاف: بعض الأسر بدأت بالفعل المغادرة بشكل مؤقت، وهناك من نقل اطفاله إلى ذويه بمحافظة الإسماعيلية وبعض محافظات الصعيد، مشيرًا إلى أن عدد الأقباط بشمال سيناء يتقلص يومًا عن الآخر، فمنذ الهجرة الأولى لأقباط العريش والشيخ زويد وأعقبها هجرة أخرى بعد استهداف كهنة الكنيسة، لم تعد أي من الأسر إلى منزلها بالعريش ورفح، ويعيش الآخرون الآن مهددين.

من جانبه قال اللواء ياسين طاهر، محافظ الإسماعيلية: المحافظة استضافت 30 أسرة من أقباط سيناء الذين حضروا بناء على دعوة من الكنيسة الإنجيلية بالمحافظة؛ ضمانًا لسلامتهم من أي أحداث إرهابية من الممكن أن يتعرضوا لها، مؤكدًا أنهم لا يعتبرون نازحين قسريًّا، حيث لم يتم تهجيرهم، لكنهم جاءوا بناءً على دعوة من الكنيسة.

17006074_341742836219979_1548185913_n

فيما قال اللواء عبد الفتاح حرحور، محافظ شمال سيناء، انه أعطى تعليمات وتوجيهات بالتساهل مع الموظفين المسيحيين والسماح لهم بالغياب من أعمالهم والمدارس لمدة شهر على الأقل في إجازة مدفوعة الأجر؛ نظرًا للظروف الأمنية التي تشهدها المحافظة، حيث أصبح تواجدهم يشكل خطرًا على حياتهم.

التهجير الذي يحدث حاليًا في سيناء يأتي بعد سلسلة بدأت منذ الهجرة الأولى في عام 2012 إبان حكم الرئيس المعزول محمد مرسي، عندما تم تهجير أقباط مدينتي رفح والشيخ زويد عقب توزيع الجماعات الإرهابية منشورات بإعطاء الأقباط مهلة 48 ساعة لمغادرة المدنية، قبل حرق منازلهم وقتل أي قبطي يتواجد بتلك المدن، وتم بالفعل تنفيذ التهديد بإطلاق النيران على الأقباط وأعقبها ذبح مجدي لمعي بالشيخ زويد.

وتم تهجير نحو 15 أسرة من المدينة إلى محافظات الصعيد، وبعد مقتل القس مينا عبود بإطلاق الرصاص في يوليو 2013 وحرق كنيسة مارجرجس بالعريش، فرت العديد من الأسر تاركة مدينة العريش، عدا القليل منها الذي بدأ في الفرار والهرب تحت سمع وبصر المسؤولين، بل والعمل بنصائحهم بالهروب لعجزهم وفشلهم في حمايتهم.