أوروبا تستغل الصراع في ليبيا لتوطين المهاجرين

صدام تشريعي جديد ظهر مؤخرًا بين حكومة الوفاق ومجلس النواب الليبيان؛ بعدما وقعت الأولى على مذكرة تفاهم مع إيطاليا حول مكافحة الهجرة غير الشريعية دون الرجوع إلى البرلمان، في مشهد جديد يوحي بمزيد من الانقسام السياسي والتجاذب الذي تعانيه ليبيا في الفترة الأخيرة.

وتركز أوروبا متمثلة في إيطاليا على دعم حكومة الوفاق المدعومة من الأمم المتحدة، التي لم تنل شريعة البرلمان بعد، من خلال استضافتها لاجتماعات عدة لرئيس الحكومة فايز السراج، الأمر الذي زاد من مخاوف الحكومة المؤقتة الأخرى والبرلمان الليبي الواقعان في الشرق، خاصة في طبرق، بأن يكون وراء ذلك توطين اللاجئين.

ورفض البرلمان الليبي مذكرة تفاهم حول مكافحة الهجرة غير الشرعية وقعها رئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج الأسبوع الماضي مع إيطاليا، واعتبر مجلس النواب أن “المذكرة باطلة وغير ملزمة، ولا يترتب عليها أي التزام مادي أو قانوني أو أخلاقي على الدولة الليبية في الحاضر أو في المستقبل”، على اعتبار أن “المجلس الرئاسي (أي حكومة الوفاق الوطني) ورئيسه لا يحملان أي صفة قانونية بدولة ليبيا، وفقا للإعلان الدستوري”.

وأضاف المجلس أن “قضية مثل قضية الهجرة غير الشرعية هي من القضايا المصيرية المرتبطة بقرار من الشعب الليبي، من خلال نوابه الذين انتخبهم عبر صندوق الانتخاب ديمقراطيا”، مشيرًا إلى أنه ووفقا للإعلان الدستوري والأحكام الصادرة من القضاء الليبي، فإن المجلس الرئاسي المقترح وحكومته وقراراته وجميع ما يصدر عنه يعد باطلا.

وكان السراج وقع في روما في 2 فبراير مذكرة تفاهم مع رئيس الوزراء الإيطالي بشأن التعاون في مجالات التنمية ومكافحة الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر والتهريب وتعزيز أمن الحدود بين الجمهورية الإيطالية وليبيا من حيث ينطلق عشرات الآلاف من المهاجرين سنويا نحو أوروبا، وتنص الاتفاقية على تمويل إيطاليا لعملية إيواء المهاجرين من إفريقيا في مراكز ليبية قبل إعادتهم لبلدانهم ومنح ليبيا ستة زوارق بحرية لمساعدتها في مراقبة شواطئها، بناء على الاتفاق الليبي الإيطالي الموقع في عام 2008.

الاتفاقية واجهت الكثير من الانتقاد من قبل بعض السياسيين الليبيين لأنها تنص على إعادة المهاجرين إلى ليبيا، ورغم نفي السراج أن يكون وافق على مثل هذا الإجراء، رفضت بجانب مجلس النواب، حكومة المؤتمر الوطني المنتهي ولايته بطرابلس، معتبرين أن الجانب الأوروبي يتفق مع “من لا يمتلك الشرعية والمرفوض شعبيا”.

ويرى مراقبون أن إيطاليا تعمل على توازن النفوذ مع موسكو في المرحلة المقبلة، لاسيما إنها ترى ضرورة محاربة الهجرة غير الشريعية من ليبيا، وبينما يدرك الطليان أن حكومة الوفاق لن تتمكن من الإيفاء بشروط هذه الاتفاقات، خاصة أن أغلب الأراضي الليبية خارج سيطرتها، لاسيما الحدود الجنوبية التي تعتبر المنفذ الرئيسي للمهاجرين الأفارقة وساحل البلاد الطويل الذي تعمل فيه شبكات الهجرة بحرية تامة، فإن هذه الخطوة الأوروبية الإيطالية المتمثلة في الاتفاق جاءت في الوقت الذي أعلنت فيه روسيا تأييدها بشكل رسمي لقائد الجيش العام المشير خليفة حفتر، وطالبت بضرورة إيجاد موطئ قدم له في أي تسوية سياسية مقبلة.

ومن اللافت أن إيطاليا التي أبرمت مذكرة تفاهم مع رئيس حكومة الوفاق “السراج”، أعلنت عن إعادة افتتاح سفارتها الشهر الماضي بشكل مفاجئ في طرابلس، وسط حديث عن وصول بوارج بحرية إيطالية قبالة طرابلس لحماية بعثتها الدبلوماسية، في خطوة قرأها مراقبون أنها إنذار للقائد العام للجيش في طبرق، لكن تؤكد التحركات الباقية أن إيطاليا تلعب على كل الأحبال لتنفيذ مصالحها في ليبيا؛ فبينما دعمت حكومة الوفاق في الخطوات سابقة الذكر، التزمت في نفس الوقت بتقديم مبادرة للبرلمان الليبي تهدف بالأساس إلى تبديد مواقف السلطات في شرق البلاد التي تعتبر أن إيطاليا وقفت في صف حكومة الوفاق، وثمة معلومات تؤكد أن إيطاليا تريد أن تثبت لمجلس النواب أنها تقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف المتصارعة وليست منحازة لجهة ما، كما قال القائد العام للجيش خليفة حفتر في تصريحات صحفية سابقة.

واتهم حفتر في وقت سابق إيطاليا بالانحياز لمدينة مصراتة المناوئة له، قائلا “من السيئ أن بعض الإيطاليين اختاروا البقاء بجانب المعسكر الآخر، فأرسلوا 250 جنديًا وطواقم طبية إلى مصراتة، دون إرسال أي مساعدات لنا”، في إشارة إلى وعود إيطالية بإرسال طائرتين لنقل مصابي الجيش للعلاج في إيطاليا، وهو ما لم يتحقق حتى الآن، لكن رد وزير الخارجية الإيطالي أنجلينو ألفانو “إيطاليا كانت أول من اقترح إعطاء دور للمشير خليفة حفتر”.