أنا وصديقي و”ثالثنا الرئيس”!

يظن صديقي أن الرئيس يمسك بخيوط الاقتصاد والسياسة ويحركهما بدهاء مطلق، يضع فيه ثقة عمياء، ويدافع عنه بضراوة أمام أي لوم أو انتقاد بجملة يتيمة: “احنا المصريين خسارة فينا الرئيس”.

سئمت أنا وصديقي طرق أي نقاش يكون محوره الرئيس، نبدو عندها كأحمقين يتناطحان، فأنا أقف علي يسار نظام عديم الحكمة والخبرة، كل غايته الانفراد بالسلطة، بينما يغرق صديقي في هوي الرئيس الذي “ضحي بشعبيته ووهب حياته عشان مصر”.

لا أشك في وطنية الرئيس لحظة، ولكني أتشكك في دهائه وحنكته، فما وصلنا إليه من إنحطاط غير مسبوق، وما ننتظره من مجهول مخيف، يعبر عن “عشوائية” أفكار وقرارات الرئيس، ولا ينُم قطعاً عن أي بصيرة أو معرفة كما يروج صديقي المحب.
فلندع حكايتي أنا وصديقي جانباً، ولنسأل أنفسنا مرة: “هل يجوز أن نكون نحن علي باطل والرئيس علي حق؟”.

الأرقام لا تكذب، وهي أفضل وسيلة لقراءة المشهد العام في مصر، دون تهويل أو تحقير من شأن الأوضاع الراهنة، وإليك الأرقام بتجرد، والحكم لك:
مستوي الفقر ارتفع إلي أعلي مستوياته نهاية العام الماضي إلي نحو 28%، والتضخم وصل إلي 30% وهو الأعلي منذ 30 عاماً، وهناك ما يقرب من 4 ملايين عاطل، والدين المحلي والخارجي زادا للضعف في سنوات السيسي العجاف بنحو 3 تريليون جنيه، والعملة المحلية هبطت إلي نسب متدنية فاقت توقعات مسئولي البنك الدولي أنفسهم، والأرقام ما زالت مرشحة للزيادة بحسب خبراء اقتصاديين.

القوة الشرائية للجنيه انخفضت إلي النصف، والأسعار تضاعفت بنسب زيادة 100 ـ 120%، كما زاد عجز الموازنة إلي 318 مليار جنيه، وارتفع معدل ميزان المدفوعات الذي يكشف زيادة الواردات عن الصادرات، فيما انخفضت إيرادات قناة السويس رغم إنفاق المليارات من مدخرات المصريين علي حفر تفريعة جديدة، ناهيك عن انخفاض موارد السياحة بعد تحطم الطائرة الروسية في شبه جزيرة سيناء.

هل نُكذب الأرقام ونصدق من يملأ الفضاء صخباً بأن الأوضاع علي ما يرام؟ هل نُكذب جيوبنا الخاوية ونحيا علي وهم “أد الدنيا وبكره تشوفوا مصر”؟ هل نًكذب الواقع ونصفق بحرارة لإنجازات الرئيس؟ أظننا علي حق ومن يروج لوعود وإنجاز واهمة هو الباطل، وإمعاناً في الغضب مما نحن فيه أقول: “جواز مصر من الرئيس مخالف لكل الشرائع السماوية”.

من المضحكات المبكيات أن يعتقد صديقي، يقيناً وبإيمان مطلق، أن الرئيس لم يُفرط في الجزيرتين ولا يفكر، فحكم القضاء من تدبيره وتحت رعايته، وبمكره الشديد استطاع أن يخادع السعودية ويغازل إسرائيل، ولما حاولت الإتصال بصديقي لأواجهه بتسريبات وزير الخارجية المصري أثناء تلقيه إملاءات موظف إسرائيلي بشأن صياغة اتفاق نقل الجزيرتين للمملكة، وجدت رسالة نصية علي هاتف صديقي تكرر جملة واحدة مرات: “الهاتف الذي طلبته يؤمن بالرئيس، يحب الرئيس، ولا يصدق أي شئ يمكن أن ينال أو يعكر صفو هذا الحب.. عاش الرئيس”!.

لا تُحدث صديقي عن محاولة تأميم الحريات وخلق صوت واحد يمجد في الرئيس ويهادنه، فهذه كلها صغائر لا ترقي إلي حجم المعركة التي يخوضها الرئيس داخلياً وخارجياً، فبماذا ستجدي الديمقراطية في وطن يكافح الإرهاب، وما فائدة التعليم في “وطن ضايع”، فلا تنظر إلي أعلي أو تضع نفسك في مقارنة مع دول تنعم بالحرية، بل يدعوني صديقي دوماً للنظر تحت أقدامي لأحمد الله علي نعمة أننا “أفضل كتير من سوريا والعراق”.

دعك مني أنا وصديقي، فنحن متلازمة من الأعراض المرضية المستعصية علي الفهم والشفاء، ولتكن إجابتك علي سؤالي الآتي شافية وحاسمة: “هل يجوز أن أكون أنا والأرقام والواقع البائس علي باطل، والرئيس وحده علي حق”…؟!