أصحاب المعاشات.. أوجاع ما بعد الستين

يمضي الوقت فيزداد عدد الواقفين في طابور صرف المعاشات بأحد مكاتب البريد في مدينة السادس من أكتوبر بمحافظة الجيزة، انتظارا للموظف حتى ينتهي من صلاة الظهر، وبعد أداء “الفريضة” استأنف “سيد.أ” الصرف لعدد من المواطنين حسب دورهم في الطابور، قبل أن يعلن “فلوس الشيك خلصت”.

هكذا خرجت كلمات موظف البريد لتصدم المواطنين، قبل ساعتين من نهاية يوم العمل الحكومي، وبالتالي فليس أمامهم سوى الانتظار ليومين آخرين حتى يوم الأحد، ليتمكنوا من صرف معاشاتهم، ومع انصرافهم غاضبين تتردد عبارات: “ارحموا الناس في كبرهم.. ليه الذل ده مش كفاية علينا واقفين في طابور أكتر من 6 ساعات كمان هنستنى يومين.. في شرع مين التعذيب ده كله.. إحنا كده هنصرفهم على المواصلات”.

بعد سنوات خدمة تجاوزت 35 عامًا بشركة الغزل والنسيج بالمحلة الكبرى، وقف كامل زين، مواطن ستيني، في طابور انتظار طويل أمام إحدى ماكينات الصرف الآلي الثلاثة الموجودة خارج بنك الإسكندرية، ليفاجأ قبل صرف معاشه الشهري بنفاد أموال الماكينات، فينفجر صارخا: “اتقوا ربنا وضخوا فلوس في الماكينات وراعوا شيبتنا، كفاية مرمطة أكتر من كده“.

في كلا الطابورين، وفي انتظار المعاش، لا حديث للواقفين سوى عن الغلاء الذي يطحن الجميع، وعن الأسعار التي تضاعفت أكثر من مرة، وعن المعاش الذي لم يكن يكفي احتياجات الأسر فأصبح بعد تعويم الدولار وجنون الأسعار لا يكفي الأساسيات، ولا ثمن العلاج..

من حين لآخر، كان الرجل الستيني المتكئ على عكازه منتظما في الطابور يردد عباراته المليئة باليأس وفقدان الأمل في كل شئ، وكان يقول: “أنا عارف كويس إن مفيش حد بيسمعنا بس احنا مش هنكون الضحية، وعلى الحكومة أن تراعي آدمية المواطنين وكبر سنهم ومعاناتهم مع الأمراض وصعوبة تحملهم الضغط العصبي والانفعال كل شهر أثناء صرف المعاشات”.

الدروس الخصوصية

عندي 4 عيال في المدارس ومعاشي 413 جنيه بس، حد يقولي يعملوا إيه النهاردة”.. عبارات مقتضبة وتساؤل موجع وجهته سارة، لتختصر معاناتها وأبنائها مع متطلبات الحياة اليومية، إذ لا يكفي معاشها الشهري الدروس الخصوصية لابنتيها، وتلجأ الأم المغلوبة على أمرها للعمل الخاص، لتبدأ يومها منذ السابعة صباحًا حتى تتمكن من الوفاء بالتزامات أبنائها، خاصة بعد وفاة زوجها منذ أكثر من 5 سنوات.

سيدة أربعينية أخرى تحصل على معاش والدها المتوفى منذ سنوات والذي لم يتخط الحد الأدنى للأجور تقول بعبارات ممرورة: “نعمل إيه بالمعاش النهاردة يادوبك مكفي قسط الشقة اللي قاعدين فيها“.

وأضافت: “أصحاب المعاشات غلابة ومظلومين في البلد دي، وعاملين زي خيل الحكومة آخر خدمتهم علقة وبيرجموهم بعد ما يطلعوا على المعاش، الأسعار غالية جدا والعلاج سعره ارتفع للضعف،وكمان معظمه مش موجود، والدروس الخصوصية خلصت علينا، فيما قال فوزي غنيم، أحد مؤسسي النقابة المستقلة للمتقاعدين العسكريين والمحاربين القدامى، عن حق المواطن في معاش يكفي احتياجاته: “نحن لسنا عالة على أحد”، ويضيف أن مشكلة أصحاب المعاشات تتمثل في كيفية الحصول على حقوقهم المهدرة التى تم الاستيلاء عليها على مدار السنوات الماضية من قبل وزارة التضامن الاجتماعي، ولاتزال تائهة حتى الآن بين دواليب الحكومة، موضحًا أن الحد الأدنى للمعاشات 1200 جنيه الذي طالما نادوا بإقراره ليس له علاقة بحقوق أصحاب المعاشات التي تتجاوز 400 مليار جنيه، وقال: “إنه حق اجتماعى لتصحيح خطأ لم يتسبب فيه أصحاب المعاشات، بل تسببت فيه السياسات الاقتصادية للحكومات المتعاقبة ويجب عليها تصحيحه فى صورة قرار بتحديد حد أدنى للمعاشات”.

حد أدنى

المادة 27 من الدستور تنص على ضرورة الالتزام بحد أدنى للأجور والمعاشات يضمن الحياة الكريمة، وبحد أقصى فى أجهزة الدولة لكل من يعمل بأجر، وفقًا للقانون.

وهو النص الدستوري الذي استند إليه  البدري فرغلي، رئيس الاتحاد العام لأصحاب المعاشات في دعواه القضائية أمام محكمة القضاء الإداري للمطالبة بحد أدنى 1200 جنيه والتي تمت إحالتها للمحكمة الدستورية العليا.

ويقول فرغلي لـ”البديل” إن هناك أكثر من مليون ونصف مواطن معاشاتهم الشهرية أقل من 500 جنيه ونحو 4 ملايين مواطن دخلهم الشهري أقل من 1200جنيه، مؤكدًا أنهم ينتظرون حكم المحكمة الإدارية يوم 12 مارس المقبل بشأن حصولهم على 80% من 5 علاوات نُزعت دون وجه حق من كل صاحب معاش خلال السنوات الماضية.