أبو جعفر المدني.. المقرئ العابد

كان تقيا ورعا عابدا، يصوم يوما ويفطر يوما، ويصلي في جوف الليل أربع ركعات يقرأ في كل ركعة بالفاتحة وسورة من طوال المفصل، ثم يدعو عقبها لنفسه وللمسلمين ولكل من قرأ عليه وقرأ بقراءته قبله وبعده.. لقي عددا من الصحابة، فهو تابعي كبير، وقارئ حافظ متقن، كان مولى لعبد الله بن عياش المخزومي.. أتوا به صغيرا لأم سلمة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فمسحت على رأسه ودعت له بالبركة.

أبو جعفر يزيد بن القعقاع المخزومي المدني، أحد القراء الثلاثة المكملين للعشرة، انتهت إليه رئاسة الإقراء بالمدينة، وتلقت الأمة قراءته بالقبول، وأصبحت تدرس في معاهد العلم والقرآن بكل بقاع العالم الإسلامي، من خلال منظومة الدرة المضية في القراءات الثلاث المرضية، أو من خلال منظومة طيبة النشر في القراءات العشر، وكلتاهما لإمام أئمة القراءات أبو يوسف محمد بن الجزري.

أخذ القرآن عرضا على مولاه عبد الله بن عياش وعبد الله بن عباس وأبي هريرة، وقرأ هؤلاء الثلاثة على أُبي بن كعب، وقرأ أبو هريرة وابن عباس أيضا على زيد بن ثابت، وقيل إن أبا جعفر قرأ على زيد نفسه، فقد صح أنه أنه صلّى بابن عمر بن الخطاب.. وقرأ زيد بن ثابت وأُبي بن كعب على رسول الله صلّى الله عليه وسلم.. فهو من أعلى القراء سندا.. وأما تلاميذه فكثر، ومن أشهرهم نافع المدني.

كان يجلس للقراءة في المسجد النبوي، وكان يفتي الناس، قال تلميذه ابن جماز: ولم يزل أبو جعفر إمام الناس في القراءة إلى أن توفي سنة ثلاث وثلاثين ومائة بالمدينة.. قال الإمام مالك بن أنس: كان أبو جعفر القارئ رجلا صالحا يفتي الناس بالمدينة.. وقال الأصمعي: قال ابن زياد: لم يكن بالمدينة أحد أقرأ للسنة من أبي جعفر.. وكان يقدم في زمانه على عبد الرحمن بن هرمز الأعرج.

واشتهر عن أبي جعفر راويان، هما ابن وردان، وابن جماز، فالأول هو أبو الحارث، عيسى بن وردان المدني، توفي في حدود الستين ومائة، من قدماء أصحاب نافع، ومن أصحابه في القراءة على أبي جعفر، عرض القرآن على أبي جعفر وشيبة، ثم عرض على نافع، قال الداني: هو من جُلة أصحاب نافع وقدمائهم، وقد شاركه في الإسناد، وهو إمام مقرئ وحاذق، وراوٍ محقق ضابط.

والثاني، هو أبو الربيع، سليمان بن محمد بن مسلم بن جماز، روى القراءة عرضا على أبي جعفر وشيبة، ثم عرض على نافع، وأقرأ بحرف أبي جعفر ونافع، وهو مقرئ جليل، ضابط نبيل، مقصود في قراءة نافع وأبي جعفر.. مات بعد السبعين ومائة.. قال الإمام ابن الجزري في الدرة المضية: أَبُو جَعْفَرٍ عَنْهُ ابْنُ وَرْدَانَ نَاقِلٌ… كَذَاكَ ابْنُ جَمَّازٍ سُلَيْمَانُ ذُو الْعُلَا.

وانفرد أبو جعفر من روايتيه أو من إحداهما عن باقي القراء بأكثر من سبعين انفرادا من أبرزها: السكت على الحروف المقطعة في فواتح السور، فهو ينطق الحروف مقطعة يفصل بين كل حرف وآخر بسكة لطيفة، فيقول “ألف” ثم يسكت، ويقول “لام” ثم يسكت، ثم يقول “ميم”.. وهكذا في جميع فواتح السور ذات الأحرف المقطعة.

وانفرد بضم تاء ( لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا ) في جميع المواضع، وهي قراءة استنكرها بعض النحاة، ورد عليهم الإمام ابن الجزري، وانفرد بالإخفاء للنون والتنوين في الخاء والغين، وتخفيف الياء في أماني وأمانيهم وأمانيكم وأمنيته، وكذلك انفرد بإبدال فاء وعين ولام الكلمة إلا المستثنى له وهما كلمتان أنبئهم بالبقرة ونبئهم بالحجر والقمر.