التسريبات وإهانة المؤسسة العسكرية

نبدأ هذا المقال بواقعة رواها الرئيس أنور السادات فى مذكراته “البحث عن الذات”. فى 17 أكتوبر 1970، فى أول يوم قضاه السادات فى الرئاسة، جاءه سامى شرف، وزير شئون رئاسة الجمهورية، بكومة من الأوراق لعرضها عليه، فسأله السادات: “ما هذا؟”، فقال سامى شرف: “هذه نصوص محادثات تليفونية لأشخاص موضوعين تحت المراقبة”. فقال السادات بغضب: “آسف، أنا لا أحب قراءة هذا الكلام الفارغ. لو كان فيها معلومات تخص أمن الدولة فسوف أنظر فيها وأعطيك قرارا بشأنها، أما لو كانت هذه تسجيلات لمكالمات تليفونية عادية بين مواطنين عاديين – وهو ما أتوقعه – فلن أفعل بها شيئا، وعلى إيه حال فمن الذى أعطاك الحق فى مراقبة هؤلاء الأشخاص؟ خذ هذا الملف بعيدا عنى”. وأزاح السادات الأوراق من أمامه، فجمعها سامى شرف وخرج، ولكن قبل خروجه كان السادات قد أصدر أمره إليه بإلغاء المراقبات كافة، وأن لا تتم أى تسجيلات لمكالمات تليفونية إلا بناء على أمر قضائى، وبعد سبعة أشهر من هذه الواقعة قاد السادات حملة دعائية ضخمة أمام كاميرات التليفزيون لإحراق تسجيلات المكالمات التليفونية والملفات السرية فى ساحة وزارة الدخلية، أثناء أحداث 15 مايو 1971، والمعروفة إعلاميا باسم ثورة التصحيح.
من المؤكد أنه لم يتم تنفيذ هذا الأمر الذى أصدره السادات لسامى شرف حتى اليوم، فلا تزال الأجهزة الأمنية تنتهك حرمة الحياة الخاصة وتقوم بالتنصت على المواطنين وتسجل مكالماتهم الشخصية، ضاربة عرض الحائط بالدستور والقانون والأعراف والقيم الأخلاقية، وبلغ بها الاستهتار حدا دفعها إلى إذاعة المكالمات التليفونية التى سجلتها لبعض الشخصيات العامة فى وسائل إعلام مصرية معروفة بولائها للرئيس ونظام الحكم الحالى، رغم أن الرئيس نفسه كان ضحية لهذا الأسلوب الرخيص، وتم إذاعة تسريبات له نالت من صورته فى الشارع المصرى وأدت لأزمة كبيرة بينه وبين بعض حكام دول الخليج، فكيف لمن ذاق مرارة التسريبات، أن يوافق على أن يحدث ذلك فى عهده وهو يحدثنا دائما عن القيم والأخلاق الحميدة التى تربى عليها.
إن واقعة التنصت على المكالمات التليفونية للدكتور محمد البرادعى والفريق سامى عنان، رئيس أركان حرب القوات المسلحة الأسبق، وإذاعة هذه المكالمات، تمثل اعتداء صارخ على حرمة الحياة الخاصة وأسرارها التى حماها الدستور من أى اعتداء يقع عليها، وفرض لها القانون عقوبات مغلظة ضد كل من يعبث بحرمتها. فالمادة 57 من الدستور تنص على أنه: “للحياة الخاصة حرمة، وهى مصونة لا تمس. وللمراسلات البريدية، والبرقية، والإلكترونية، والمحادثات الهاتفية، وغيرها من وسائل الاتصال حرمة، وسريتها مكفولة، ولا تجوز مصادرتها، أو الاطلاع عليها، أو رقابتها إلا بأمر قضائى مسبب، ولمدة محددة، وفى الأحوال التى يبينها القانون، كما تلتزم الدولة بحماية حق المواطنين فى استخدام وسائل الاتصال العامة بكل أشكالها، ولا يجوز تعطيلها أو وقفها أو حرمان المواطنين منها بشكل تعسفى”.
إذن، التسجيل للمواطن لا يكون إلا بمناسبة اتهامه فى جريمة وبإذن من القاضى الجزئى بناء على طلب من النيابة العامة، ويصدر الإذن لمدة محددة، فهل كان أى من الدكتور محمد البرادعى أو الفريق سامى عنان أو غيرهما ممن شملتهم التسجيلات، متهما فى قضية ما فى هذا التوقيت؟ ومن الذى أصدر الأمر بوضعهم تحت المراقبة؟
وينص قانون العقوبات فى المادة 309 مكرر، على أنه يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة كل من اعتدى على حرمة الحياة الخاصة للمواطنين، وذلك بأن استرق السمع أو سجل أو نقل عن طريق جهاز من الأجهزة أيا كان نوعه محادثات جرت فى مكان خاص أو عن طريق التليفون، فى غير الأحوال المصرح بها قانونا أو بغير رضاء المجنى عليه، وتنص المادة نفسها على أنه يعاقب بالحبس كل من أذاع أو سهل إذاعة أو استعمل ولو فى غير علانية تسجيلا أو مستندا متحصلا عليه بإحدى الطرق السابقة أو كان ذلك بغير رضاء صاحب الشأن، فهل سيحال الإعلامى أحمد موسى الذى أذاع هذه التسريبات إلى القضاء؟ وهل سيعاقب على ما اقترفه فى حق مواطنين شرفاء إذا ثبت تسجيل هذه المكالمات بغير الطرق القانونية؟
من ناحية أخرى، هذه التسريبات تضر ضررا بالغا بأكبر مؤسسات الدولة: المؤسسة العسكرية، وتمثل إهانة مباشرة لها تسيء إلى هيبتها وتضعف من ثقة المواطنين فيها. إن التنصت على مكالمات أحد أكبر قيادات الجيش أثناء وجوده فى الخدمة العسكرية وإذاعة هذه المكالمات، يكشف للرأى العام أن هناك اختراقا قد حدث لهذه المؤسسة العريقة، وأن هناك شخص أو جهة ما تمكنت من اختراق مكتب رئيس أركان الجيش المصرى، وسجلت نص مكالمة بينه وبين أحد الأشخاص، وقد تكون هذه الجهة مخابرات دولة أجنبية، ما يمكن أن يزيد من قلق ومخاوف الرأى العام. قد يقول قائل إن مكالمات كبار المسئولين فى الدولة يتم تسجيلها عن طريق إدارة خاصة للتوثيق، وفى هذه الحالة فإن ذلك يعنى أن هذه الإدارة المكلفة بعمليات التسجيل والتوثيق مخترقة، ومن السهل تسريب تسجيلاتها ووثائقها. وحتى إذا كان الفريق سامى عنان هو الذى أمر بتسجيل المكالمة، فلا يجوز له إذاعتها إلا بموافقة الطرف الآخر وهو الدكتور محمد البرادعى، وإلا يعرض نفسه للمسائلة القانونية. وإذا افترضنا أن البرادعى نفسه هو الذى قام بالتسجيل، ثم وقع هذا التسجيل فى يد أحد الأشخاص أو الجهات بالخطأ، فلا يملك هذا الشخص أو هذه الجهة الحق فى بث هذا التسجيل فى وسائل الإعلام العامة.
لابد من التحقيق فى الواقعة بأكملها، ولابد من صدور بيان من النيابة العامة يكشف عن كيفية التسجيل لهذه المكالمات، وما إذا كان التسجيل قد تم بالموافقة للقانون من عدمه، ويجب عدم التفرقة فى ذلك بين العسكريين والمدنيين فكل له حرمته الشخصية، ثم ضرورة المساءلة القانونية لمن أذاع هذه التسجيلات.
لن أكرر ما قاله كثيرون من حرمة الحياة الخاصة، وأن التنصت على المكالمات الشخصية – من دون إذن قانونى – وإذاعتها على الملأ، خطأ فاحش وسقطة أخلاقية لا تغتفر، لكن يجب أن أنبه إلى أن تكرار مثل هذه التسريبات الحقيرة، التى لا تليق بدولة تحترم ذاتها، سيجعلنا فى وقت ما نعتاد على سماعها وبالتالى التعامل معها باعتبارها شيئا عاديا لا يستحق الانتقاد، وأمرا طبيعيا لا يستلزم العقاب، وهو ما سيقودنا كمجتمع فى النهاية نحو نفق مظلم لا نعلم ماذا ينتظرنا فى آخره.

لابد أن يراجع النظام الحاكم مكاسب وخسائر هذه التسريبات، فالتشهير والتجريس والفضح من أحط الوسائل التى يمكن أن تستخدم ضد المعارضين، ومن يعتقد أنه يكسب اليوم بهذا الأسلوب المنحط، فربما ينقلب عليه المكسب إلى خسارة فى الغد، والخاسر فى هذه الحالة ليس الأشخاص، بل المجتمع المصرى بأكمله.