قراءة في كتاب: رأس المال في القرن الحادي والعشرين

طوال العقود الماضية روجت الرأسمالية لكونها النظام الأفضل والأنجح والأكثر قدرة على تحقيق العدالة والرفاهية وتكافأ الفرص لكافة المواطنين، عن طريق إحراز المزيد من النمو الاقتصادي والمالي، مبشيرين بأن العوائد المتراكمة ستهزم الفقر، وسترمي بثمارها للفقراء الكادحين، وذلك من خلال زيادة الإيرادات والنفقات العامة وحفز التشغيل على حساب عدالة توزيع الثورة والدخول، لكن ما حدث أن الفقر استشرى في عدد كبير من البلدان المرتبطة بالمنظومة الرأسمالية وبقيت قضية عدم العدالة تلقي بظلالها على المجتمعات والشعوب في معظم دول العالم.
ورغم وجود عشرات الكتب والدراسات التي تكشف زيف هذا الإدعاء وترصد غياب العدالة الاجتماعية واللامساواة المتزايدة في الدخل وإحتكار مجموعة صغيرة للثروة إلا أن معظم هذه الدراسات انطلقت من رؤى سياسية واجتماعية وغاب عنها الرصد والتحليل الاقتصادي الدقيق، على الجانب الآخر كانت الدراسات الاقتصادية التي تكشف مدى ظلم النظام الرأسمالي واستغلاله للشعوب شديدة التعقيد والأكاديمية.
في هذا السياق تأتي أهمية كتاب “رأس المال في القرن الحادي والعشرين” للاقتصادي الفرنسي توماس بيكتيي، فعبر دراسة كبيرة تبلغ 700 صفحة يقوم بيكتي بتحليل إحصاءات توزيع الثروة في أكثر من 20 دولة حول العالم على مدار الثلاث قرون الماضية معتمدًا على سجلات الضرائب والميراث، مستخدمًا لغة بسيطة وأمثلة من الحياة العامة، ومستعينًا ببعض الأعمال الأدبية الشهيرة لبلزاك وجين أستون التي تعكس حجم التفاوت في الثروات والدخول من جهة وتخفف من حدة وجفاف البحث الاقتصادي من جهة أخرى، وتؤكد أيضًا على كون التفاوت في الثروة والدخل ليس مسألة اقتصادية بحتة بقدر ما له من أبعاد اجتماعية، وتاريخية، وسياسية، وفلسفية، فمسألة توزيع الثروة تتضمن قدر كبير من الأهمية، مما يجعل دراستها لا تقتصر على الاقتصاديين، والمؤرخين، والفلاسفة، ورجال السياسة، بل هي موضع اهتمام جميع البشر.
الرأسمالية واللامساواة
يقول بيكيتي في مقدمة كتابه “تعتبر قضية توزيع الثروة واحدة من أكثر القضايا المثيرة للجدل التي تتم مناقشتها بشكل واسع اليوم. لكن ما الذي نعرفه حقًا عن تطورها على المدى الطويل؟، هل تقود حركية تراكم رأس المال الخاص حتمًا إلى تركز الثروة في أيد أقل فأقل دومًا، كما كان ماركس يعتقد في القرن التاسع عشر؟ أو هل تقود المنافسة والتطور التكنولوجي، في المراحل المتأخرة إلى لا مسواة أقل وانسجام بين معظم الطبقات، كما تصور سايمون كوزنتس في القرن العشرين؟. ما الذي نعرفه حقًا عن الطريقة التي تطور بها الدخل والثروة من القرن التاسع عشر، وما الدروس التي يمكن استقاؤها من تلك المعرفة كي نستفيد منها في القرن الذي تجري أحداثه الآن؟”.
يحاول الكاتب على مدار سبعة عشر فصلًا، الإجابة عن هذه الأسئلة، مؤكدًا منذ البدء على كون هذه الإجابات لا تتسم بالكمال ولا التمام، لكنها مؤسسة على بيانات تاريخية أكثر شمولية من تلك التي كانت متاحة للباحثيين فيما سبق، وتظهر بنتائج بيكتي أرقام مفزعة حول نسب عدم المساواة في الدخول على مر العقود الماضية يصبح معها القانون الحاكم للرأسمالية هو أن الأغنياء يزدادون غنى والفقراء يزادون فقرًا، وهو ما يدحض العديد من المبادئ الأساسية للنظرية الرأسمالية مثل فكرة تساقط ثمار التنمية مع نمو الاقتصاد ونظرية الترقى الاجتماعى الناتج عن التعليم والعمل وغيرها من الأفكار التي روجتها الرأسمالية، “إن الآمال التي علقها الناس على التقدم في اتجاه توزيع أقرب إلى المساواة في الثروة والدخل، وقيام نظام اجتماعي عادل قد تحطمت في القرن الواحد والعشرين فما أن يتكون رأس المال إلا ويعيد إنتاج نفسه بأسرع كثيرا من زيادة الناتج القومي، وهكذا يقوم الماضي بالتهام المستقبل”.

مشيرًا إلى أن تعداد السكان في العالم إلى حوالي سبعة مليارات من البشر، بينما يصل الدخل السنوي العالمي إلى 70 تريليون يورو، وإذا ما خصمنا من هذا الدخل 10% نسبة إهلاك، وقسمنا ما تبقى على سكان المعمورة يكون نصيب الفرد 760 يورو في الشهر. هذا بينما تتراوح دخول المواطنين في إفريقيا جنوب الصحراء والهند ما بين 150 إلى 250 يورو في الشهر وتصل إلى ما بين 2500 و3000 يورو في بلدان أوروبا الغربية، وأمريكا الشمالية واليابان.
الدخل ورأس المال
يسير الكاتب في خطين متداخليين أحدهم يتتبع تاريخ الثروة وأنماطها المختلفة، والآخر يرصد مراحل تطورها والقواعد الحاكمة لتوزيع الثروة والدخول، “في أغسطس ٢٠١٢ تدخلت شرطة جنوب أفريقيا في نزاع بين عمال مناجم ماريكانا للابلاتنيوم، وملاك المنجم: أصحاب الأسهم في شركة لونمين إنك ومركزها لندن. أطلقت الشرطة النيران بالذخيرة الحية على المضربين. وقتلت 34 عاملًا، وكما هو المعتاد في مثل هذه الإضرابات كان الصراع متعلقًا في الأساس بالأجور، فقد طالب العمال بمضاعفة أجورهم من 500 إلى 1000 يورو في الشهر. وبعد مأساة فقدان الأرواح، عرضت الشركة زيادة قدرها 75 يورو، تذكرنا هذه الحادثة بأن السؤال المتعلق بأي حصة يجب أن تذهب للأجور وأي حصة يجب أن تذهب للأرباح، بتعبير آخر كيف يجب تقسيم الدخل من الإنتاج بين العمل وبين رأس المال”.

يشير بيكتي إلى أن واحد من أبرز أسباب اللامساواة المتسعة والمتزايدة في توزيع الدخول والتفاوتات الكبيرة في الثروة بين الأفراد والدول يعود إلى أنه على مدار معظم العقود الماضية كان معدل العائد على رأس المال يتجاوز معدل نمو الناتج والدخل، وذلك يؤدي تلقائيًا إلى “تفاوتات اعتباطية لا يمكن تحملها، ما يقوض جذريًا قيم الحكم القائم على الجدارة التي تقوم عليها المجتمعات الديمقراطية”، فالعشرة في المئة المسيطرون على الثروة وأصحاب الدخول الأعلى يحصل أولادهم في الغالب على أفضل تعليم وأكثر فرص في التفوق والترقي وكذلك في الرعاية الصحية، وهو ما يهدد السلم الاجتماعي ويهدر مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص، الذي يعد المحرك الرئيسي لتطور المجتمعات الرأسمالية.
يختتم بيكتي كتابه بالدعوة إلى ضرورة وضع برنامج لتجاوز الوضع القائم الذي أنتج عدم مساواة هائلة، عن طريق فرض ضريبة كونية على رأس المال وتداول المعلومات أتوماتيكيا بين البنوك في إطار من الديمقراطية والشفافية المالية أو النظر مجدداً في آلية الضرائب التصاعدية مقترحا زيادتها ” بشكل أعم، من المهم الإصرار على أن إحدى القضايا المستقبلية المهمة هى بلا شك تطوير أشكال جديدة من الملكية ومن القيود الدميقوقراطية على رأس المال”.
يذكر أن الترجمة العربية لكتاب “رأس المال في القرن الحادي والعشرين” صدرت عن دار التنوير بالقاهرة وقام بترجمته وائل جمال وسلمى حسين، وقد زار توماس بيكيتي مصر في شهر يونيو عام 2016 واحتفل بصدور الترجمة العربية لكتابه وقال ” أن هناك مستوي عال من انعدام المساواة بمصر وأن هذا المستوي يصعب تقديره بشكل دقيق نظرًا لعدم وجود معلومات كافية عن الثروة والملكية، وفي ظل عدم وجود بيانات للضرائب علي الدخل بالشرق الأوسط ، تبقي الطريقة الأكثر ملائمة لقياس اللامساوة هي بالنظر للإقليم ككل، بدلاً من النظر إلي كل بلد علي حده ، وبشكل عام فإن الشرق الأوسط هو الأقليم الأكثر انعدامًا للمساواة فيه نظرًا لتركز السلطة في يد جماعات ودول معينة، فعلي سبيل المثال القيمة الإجمالية للاستثمارات في مصر التي يبلغ عدد سكانها حوالي 90 مليونًا، أقل 100 مرة من العوائد النفطية لقطر أو الإمارات التي يبلغ عدد سكانهما خمس ملايين”.