تفجيرات أفغانستان تطال الدبلوماسيين العرب

يوم دامٍ شهدته أفغانستان، الدولة غير المستقرة في الأصل قبل غزو الولايات المتحدة الأمريكية، وبعد 2001، وهي الفترة التي غزت فيها أمريكا أفغانستان بذريعة هجمات 11 سبتمبر، زاد الوضع سوءًا.

هجمات الأمس

أسفرت الهجمات الانتحارية على ثلاث مناطق مختلفة في أفغانستان، والتي وقعت أمس، عن مقتل 50 شخصًا وأكثر من 80 جريحًا، مع احتمالية ارتفاع عدد القتلى؛ بسبب وجود إصابات خطيرة بين المصابين، واستهدفت الهجمات الدموية مدينتي هلمند وقندهار، بالإضافة للعاصمة الأفغانية كابول.

منفذ العملية

تبنت حركة طالبان هجومين في العاصمة الأفغانية كابول، أحدهما كان بسيارة مفخخة، والآخر نفذه انتحاري قرب حافلة كانت في انتظار موظفين أمام البرلمان الأفغاني، وقال أحد الشهود الذين كانوا داخل المجمع، إن الهجوم بدأ عندما فجر انتحاري نفسه في مكان قريب من البرلمان، وبعد ذلك عندما تجمعت قوات الأمن في المنطقة، انفجرت سيارة مفخخة بعد بضع دقائق على الطريق المزدحم الذي يمر من أمامه الجميع.

وقال عضو البرلمان الأفغاني، كمال الصافي، إن الانفجارات وقعت بالضبط في الوقت الذي كان فيه موظفو الحكومة ذاهبين إلى منازلهم، لذا كانت ساعة ذروة. وتابع الصافي “أكثر من ألف شخص يعملون في المجمع، لذا فانا أعلم أن عدد الضحايا مرتفعة جدًّا”.

وفي هلمند التي تعد الأولى في إنتاج الأفيون في أفغانستان قتل تسعة أشخاص على الأقل بين مسؤولين محليين وقبليين كانوا مجتمعين في عاصمة الإقليم لشقر قاه، وتبنت حركة طالبان العملية، وكان مفجر انتحاري من طالبان قد استهدف اجتماعًا لقادة الميليشيات.

وفي بيان تابع لوزارة الداخلية الأفغانية قالت إن المنزل الذي تم استهدافه يخص أحد كبار شيوخ القبائل، ويقع بالقرب من منشآت تابعة لوكالة الاستخبارات الأفغانية.

تفجير قندهار

يعد تفجير قندهار الأعقد من بين التفجيرات؛ نظرًا لتعدد حيثياته وأطرافه، بالإضافة إلى أن هذا التفجير لم تتبنَّه أي جهة بما فيها طالبان، التي تبنت سلسلة التفجيرات التي وقعت في أفغانستان أمس.

وفي قندهار وضعت متفجرات في أرائك في صالة قصر الضيافة لوالي قندهار، وفجرت خلال العشاء، وأدت إلى مقتل 11 أشخاصًا وإصابة 16 آخرين، من بينهم دبلوماسيون إماراتيون، وأعلنت الإمارات مقتل 5 من دبلوماسييها في التفجير الذي وقع خلال اجتماع بين مسؤولين كبار ودبلوماسيين من السفارة الإماراتية، وكان السفير الإماراتي في أفغانستان، جمعة محمد عبد الله الكعبي، قد نجا من التفجير الإرهابي على الرغم من إصابته، كما أصيب والي قندهار، هومايون عزيزي.

وفقًا لوكالة الأنباء الإمارات، فإن الدبلوماسيين الإماراتيين الذين قتلوا وهم: محمد علي زينل البستكي، عبد الله محمد عيسى عبيد الكعبي، أحمد راشد سالم علي المزروعي، أحمد عبد الرحمن أحمد كليب الطنيجي، عبد الحميد سلطان عبد الله إبراهيم الحمادي، كانوا مكلفين بتنفيذ المشاريع الإنسانية والتعليمية والتنموية في أفغانستان، حيث أوضحت وزارة الخارجية الإماراتية، في بيان نشرته وكالة الأنباء الرسمية (وام) أمس، أن زيارة السفير لقندهار كانت “في مهمة إنسانية”، وذكرت أنها “شملت وضع حجر الأساس لدار خليفة بن زايد آل نهيان في الولاية، والتوقيع على اتفاقية مع جامعة كاردان للمنح الدراسية على نفقة دولة الإمارات، علاوة على وضعه حجر الأساس أيضًا لمعهد خليفة بن زايد آل نهيان للتعليم الفني”.

وعن موقف طالبان من عملية قندهار الدموية، نفت الحركة في وقت سابق وقوفها وراء هجوم قندهار، قائلة إنه من تنفيذ “منافسين محليين من الداخل”.

ولكن ما يزيد من تعقيد المشهد أن التفجير تزامن مع تحركات سياسية للحكومة الأفغانية باتجاه طالبان، حيث تسعى السلطات الافغانية إلى إقامة “منطقة آمنة” لمقاتلي طالبان وعائلاتهم؛ أملًا في تجميعهم خارج معاقلهم في باكستان، في بادرة غير متوقعة لإنهاء النزاع لا تخلو من مجازفة.

وتأتي الخطة في إطار الجهود اليائسة لإنهاء النزاع المستمر منذ 15 سنة، والذي يوقع آلاف الضحايا المدنيين سنويًّا مع الفشل المتكرر لمفاوضات السلام.

وفي حال تطبيقها فإن هذه الاستراتيجية التي تهدف إلى إخراج طالبان من دائرة تأثير باكستان قد تؤدي إلى تغيير المعطيات على الأرض، سواء للأفضل أو للأسوأ؛ حيث يعتبر التنازل عن أراضٍ لطالبان بمثابة تقسيم للبلاد.

ولا تصب محاولة السلطات الأفغانية إبعاد النفوذ الباكستاني عن طالبان في صالح الأخيرة، فطالبان فقدت إلى حد كبير دعم الإمارات لها في السابق، حيث كشفت صحيفة بلومبرج الأمريكية أن زعيم طالبان الملا اختر منصور، والذي قتل في مايو العام الماضي، اعتاد على مدى التسع سنوات الماضية السفر من مطار كراتشي الدولي مستخدمًا جواز سفر “باكستانيًّا” مزورًا يحمل اسم “والي عمر”، وذلك وفقًا لمسؤول أمني أفغاني رفض الكشف عن هويته، لأن التحقيق ما زال جاريًا، وأكد أن “منصور” سافر إلى الإمارات 18 مرة، من أجل جمع أموال للعمليات المسلحة التي تنفذها حركته في أفغانستان، وفقًا للصحيفة الأمريكية.

وتلقي هذه المعلومات مزيدًا من الضوء على مستوى المساعدة التي قدمتها باكستان للملا منصور وغيره من كبار عناصر “طالبان” أثناء تخطيطهم للتمرد القاتل ضد القوات الأفغانية والأجنبية التي تدعمها الولايات المتحدة.

وكانت الإمارات في سبتمبر عام 2001 قد أعلنت قطع علاقاتها الدبلوماسية مع حركة طالبان، ومنحت طاقم السفارة الأفغانية مهلة 24 ساعة لمغادرة البلاد، فيما أكدت باكستان أنها لن تحذو حذو الإمارات في قطع علاقاتها مع طالبان.

ويأتي قرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع حكومة طالبان بعد أن عبرت الإمارات عن أسفها لعدم تجاوب طالبان مع المساعي التي بذلتها لإقناعها بتلبية طلب مجلس الأمن الدولي تسليم أسامة بن لادن، لإجراء “محاكمة دولية عادلة له”.

وبقطع الإمارات علاقاتها الدبلوماسية مع حركة طالبان تكون الحركة قد فقدت أحد الجسور التي تصلها بالعالم، إذ إن الإمارات كانت مع السعودية وباكستان الدول الثلاث الوحيدة التي اعترفت بنظام حركة طالبان في أفغانستان.