فيديو| «مجالس المعددين» بالمنيا.. لكل ضربة ثمن ولكل كلمة حساب

قانون خاص يحترمه ويقدره آلاف المواطنين بقرى محافظة المنيا، إذ يعد عهدًا على رقبة الأفراد والعائلات التي تلجأ إليه لحل مشاكلها والصلح بين الأطراف المختلفة، تلك القوانين لن تجدها إلَّا في مجالس المحكمين، أو كما يطلق عليها البعض «مجالس المعددين».

تعد مجالس المحكمين بالمنيا بمثابة محكمة لها أصول متفق عليها، ومستمدة من الطبيعة البدوية، كما يذكر العاملون بها، إذ أرسى مشايخ العرب قواعدها منذ سنوات عديدة ماضية، ومازال الكثيرون يسيرون عليها ويتخذونها وسيلة أساسية للفصل في المنازعات.

يقول عبد الرحيم أبو العيون من عائلة صبار بمركز المنيا، والتي تنتمي لقبيلة الجوازي: الأحكام العرفية، التي تعتمد عليها العائلات في حالة وقوع مشكلة بين طرفين، تبدأ بتدخل بعض من معارف الطرفين ويتم ترتيب موعد متفق على أن يعقد في منزل شخص ذي أمانة، ومحبوب من الجميع ولا يشترط أن يكون عمدة أو شيخ عرب، وبعدها يتم اتخاذ ضمانات مالية تؤكد رضا الجميع بالأحكام.

يضيف أبو العيون: عند تجمع الأطراف والمحكمين، يبدأون بتلاوة سورة الفاتحة والقسم على كتاب الله بأن يرتضوا الحكم الذي سيصدر من المحكمين، ويبدأ بعض من أطراف المشاجرة بالإدلاء بشهادته، ثم الاستماع للطرف الآخر، ويتم تدوين كل ما يقولونه من أحد أفراد لجنة التحكيم، إلى أن ينتهوا من حديثهم كاملًا.

لكل ضربة ثمن

يستكمل أبو العيون حديثه قائلًا: لكل ضربة «ثمن» ولكل كلمه «حُكم وحساب»، حيث إن لجان التحكيم تقدر القتل بقيمة معينة وهو «الدية»، التي تترواح من 300 ألف جنيه إلى مليون، وكذلك ضربة الرأس تختلف عن ضربة الوجه، فضربة الوجه تسبب عاهة مستديمة، ويقدرها البعض بألف جنية للغرزة الواحدة إذا كان المصاب صغيرًا، وألفين جنيه للغرزة إذا كان المعتدى عليه شابًّا، مع تقدير الضربات المختلفة في أنحاء الجسم حسب رؤية المحكمين.

«التغريب».. عقاب منتهك حُرمة المنازل

من جانب آخر يقول حمدي حامد، محام، وأحد أبناء عزبة محجوب بمركز المنيا: العادات والتقاليد التي تنتشر بالكثير من القرى، خاصة ذات الطابع القبلي لا يقتصر التحكيم فيها والاحتكام لمجالس المعددين على المشاجرات فقط، بل نجد أن التعدي على حرمات المنازل، سواء بالنظر فقط أو بالاقتحام، فلها عقاب قد يصل في بعض الأحيان إلى «التغريب» وهو طرد الشخص المتهم من القرية تمامًا، إذا ثبت أنه اقتحم حرمة منزل، أو تعدى على السيدات.

«شرع الله عند غيرك».. وسيلة الطعن على الأحكام

ويؤكد حامد أن ما يميز مجالس المحكمين عن جلسات الصلح العرفية وجود الاعتراض من أي الطرفين على الحكم بقولهم عبارة «شرع الله عند غيرك»، وهي تعني أنه غير مرتضي للحكم، ويطالب بتغييره أو المناقشة من جديد، ومن هنا يلجأ أحد الطرفين للمطالبة بمحكمين جدد وإعادة الحكم عليه، مشيرًا إلى أن ذلك يحدث في أضيق الحدود.

كما أوضح حامد بأن صاحب المنزل الذي يقام فيه التحكيم لا يتدخل بأي شكل من الأشكال في الأحكام الصادرة إلَّا في حالة تساوي أعداد المحكمين، فلو كان عددهم 10 محكمين، و5 منهم اتفقوا على حكم، و5 آخرين طالبوا بزيادة أو تخفيف الحكم، كان لصاحب المنزل الكلمة الأخيرة لخروج الحكم النهائي، والتصديق عليه من الطرفين، وكتابة شرط جزائي بعدم خرق الاتفاق، ومن يخالف ذلك يتم تسليم الأوراق للشرطة، والجميع يشهد ضده بأنه هو المخطئ.

وينهي حامد حديثه بأن ثقافة المواعيد جزء متأصل في الكثير من قرى المنيا، خاصة التي لها جذور قبلية، وجلسات المعددين قد اكتسبوها من أجدادهم السابقين، ولا غنى عنها في حياتهم، بينما يكون اللجوء للقضاء في أضيق الحدود.

ويرى مصطفى صالح، مدرس، وأحد أبناء قرية طوخ الخيل، أن مجالس المعددين، تمثل الجزء الأكبر من المصالحات بين الأهالي وبعضهم بعضًا، إذ يرى الكثير من الناس أن اللجوء للقضاء يستغرق سنوات كثيرة، لكن اللجوء لتلك المجالس ينهي بعض الأمور الخطيرة في وقت قصير، وتكون قراراتها ملزمة.

وشدد صالح على أن تلك المجالس ليست بديلًا عن القضاء أو تجاهل قوانين الدولة، بقدر ما هو اتفاق بين  الأطراف كافة التي تواجه مشكلة، وفقًا لعاداتهم التي تربوا عليها منذ عشرات السنين.