على الهامش

كان الشيخ يدور كعادته بين البيوت والأراضي، يتلمس ويتشمم ويتذوق كل ما يقابله، من ماء أو نبات أو طين، حتى دواب الأرض لم تسلم من تذوقه لها بين الحين والآخر، بمرور السنين تحولت جولاته إلى طقس تعوده السكان، كما فقدوا قدرتهم في جداله، فكانت أسئلته تحمل من الهم والحزن أكثر مما تحمل من الاستفهام .

لا يتوقف الشيخ عن سرد تفاصيل اليوم ، وإن كانت الذاكرة حملته على إسقاط أحداث، واستبدالها بأخرى، شيبة العقل قد تلاعبت بالصور والمواقيت، إلا أن صلاة الجمعة الأخيرة التي أذن لها في شبابه، لم تسقط أبدا من ذاكرته، كيف تسقط وقد سلبته كل ما يملك، سلبته إيمانه.

سادت حالة من الصخب والهرج ساحة مسجد القرية، وخرجت من أفواههم جمل وأسئلة مبتسرة في صوت همهمات، قطعها شيخ المسجد في الوقت المناسب تماما، ليعلن للناس الحل الوحيد للمشكلة، خرجت جملة الشيخ في صورة نصيحة دينية ولكنها وصلت إلى آذان المستمعين وكأنها أمر إلهي فسارعوا إلى تنفيذها.

رفع الشيخ سبابته وتكلم بصوت يحمل من الحزم بقدر ما يحمل من الثقة: إذا كان الله قد ابتلاهم بلعنة من عنده، لذنب فعلوه، فلا يجوز أن نؤخذ بذنبهم، وقد ذكر الله في كتابه الحكيم حلا ناجزا، أن نجعل بيننا وبينهم سدا.
انتهى الشيخ من خطبته وانطلق المصلون، لتنفيذ التعليمات.

كانت الأحداث المتسارعة خلال الأسابيع السابقة، قد ألغت كل أفكار العقل، واستبعدت أي استحضار للحكمة والتريث، تفشي العدوى بين الأفراد، وانتشارها في الأراضي الزراعية، قد دفع الجميع بغريزة حيوانية إلى حماية ممتلكاتهم.

بعض المداولات حول اللون الرمادي الذي كسا الأرض والزرع، والاحتقان الذي أصاب وجوه السكان، تزامن ذلك مع فقدانهم لحاستي الشم والتذوق.

لم يتوقف العامة أمام أفكار العدوى والمرض والبحث عن مسبب، حيث بدى الأمر جليا حينما انهمر المطر، لتتفادى السحب الأراضي الرمادية، وتحرمها من رزق السماء، فأعلنها شيخ المسجد مدوية بعد أن تأكد بنفسه، أن المصابين “بالجرب” كما أسموهم، لم يصبهم المرض وإنما لعنة السماء حلت بهم وبأراضيهم ومزروعاتهم، فتحولوا إلى مسوخ، وأمست حقولهم كعصف مأكول.

اطمأن العموم إلى تعليمات الشيخ، فطردوا المصابين الى حدود القرية، وأقاموا سورا بين الأرض الملعونة وحقولهم الخضراء، لم يشفع لأحدهم كونه مؤذن المسجد، ولم تمنع أعيان الآخرين وأنسابهم من التهجير.

انقسم المهجرون حول طرق استكمال الحياة، بين بناء قرية بديلة أو الهجرة إلى قرى أخرى، استخدموا مياه الآبار لزراعة أراضيهم، فأنبتت زرعا يشبه زرعهم القديم الا أن لونه ظل مزيجا بين الظل والنور، ينبت ثمارا بلا طعم ولا رائحة.

تباحث شباب المهاجرين كثيرا حول سبل تغيير الحال، وبمرور السنوات فقد السكان قدرتهم على تذكر السبب في فقدانهم الطعم والرائحة، هل ماتت حواسهم بفعل العدوى، أم أن بوار أراضيهم هو ما ينبت ثمارا مثل الهواء.

محاولات الأجيال المتلاحقة لتجاوز السور ورؤية اللون الأخضر وتذوق ثماره، وشرب مياه النهر الجارية، تحولت إلى كوابيس، بعد أن وصل العداء بأهل القرية إلى قتل كل متسلل وحرق جثته، تليها ارتفاعات جديدة بالسور.

اتجه بعض الشباب إلى التدين ربما رفع الله لعنة أصابت أسلافهم وأعادهم دار المتعة، وبحث آخرون في بحور العلم والمنطق، لإيجاد علاج لأبدانهم وأراضيهم، وانصرف البعض إلى ابتكار وسائل لعبور السور والانغماس وسط أهل الوادي الخصيب.

دخل الشيخ المسجد للمرة الأولى منذ عشرات السنين، أذن في الناس، فاجتمعوا له، لم يكن وقت صلاة مما زاد من هرولة الجميع إلى المسجد لعل الخطب جلل.

وقف الشيخ أعلى جذع الشجرة وبدأ في سرد أسئلته للمرة الأخيرة:
بعد كل تلك السنوات، هل علمتم سبب مصيبتنا؟ أجسادنا أم الأرض؟
هل أصاب أرضنا العطب أم أصاب أجسادنا المرض أو أنها إرادة الله؟
هل أصابتنا اللعنة لذنوبنا؟ وكيف بذنوب أهل الوادي؟
أم أن مصيبتنا هي فضل من الله للتمحيص وابتلاء لأهل محبته؟
ماذا إذا كان أهل الوادي هم أصحاب المصيبة؟ وكانت أعينهم ترى البور زرعا، وكانت ألسنتهم تتذوق الهواء حلوا ومرا؟
ماذا لو كانت أمطارهم خدعة من السماء، تلبس الباطل حقا، وتصنع الفرح زورا؟
لماذا توقفت السماء عن إمطارنا بخلافهم؟
لماذا تقبلت السماء قربان ابن آدم ورفضت قربان أخيه؟