مستشار المستأجرين لـ«البديل»: مشروع القانون ينهي عقود الإيجار القديم «قسريًا»

القانون يشوبه «عوار دستوري».. وتجاوز من السلطة التشريعية على القضاء

تحرير العقود باختلاف نوع الإيجار.. تناقض في بنية المشروع

القانون الجديد يتعامل مع الإيجار بمنطق «اللي معهوش ميلزموش»

المواطنون ينتظرون القانون بقلق.. وأطالب بحوار مجتمعي حوله

ثلث المجتمع سيتضرر.. والقانون سيؤدي إلى فتنة مجتمعية

القانون ينحاز للملاك.. والسياسات التنفيذية للإسكان «عشوائية»

وصف محمد عبد العال، المستشار القانوني لرابطة المستأجرين بقانون الإيجار القديم، مشروع القانون الجديد، الذي أحاله الدكتور علي عبد العال، رئيس مجلس النواب، إلى لجنة الإسكان بالبرلمان، بـ«يحمل عوارا دستوريا»، مؤكدا أن مشروع تعديل قانون الإيجارات القديمة وتحرير العلاقة بين المالك والمستؤجر، يشرد أكثر من 25 مليون مواطن ويهدد السلم المجتمعي.

وأضاف عبد العال أن أعضاء لجنة الإسكان اللذين اقترحا مشروع القانون الجديد ينحازون صراحة لأصحاب رأس المال على حساب الفئات المهمشة والفقيرة، مطالبا بضرورة إجراء حوار مجتمعي حقيقي حول القانون الذي يمس ملايين من المواطنين.. وإلى نص الحوار..

كيف ترى مقترح أعضاء لجنة الإسكان بالبرلمان لتعديل قانون الإيجار القديم؟

في غاية الاندهاش من هرولة أعضاء لجنة الإسكان بالبرلمان لتقديم مشروع تعديل قانون الإيجارات القديمة الذي يمثل القانون الوحيد الخاص بمنظومة التشريعات المرتبطة بالحق في السكن، وتوفر الحد الأدنى للمواطن البسيط من حقوقه، وكنت أتمنى أن يسرع أعضاء في وضع رؤية تشريعية استراتيجية مرتبطة بالتنمية العمرانية وصياغة حزمة التشريعات المرتبطة بمفهوم القطاع الإسكاني والحق في السكن؛ عبر الخروج من الوادي الضيق وربط مفهوم الحق في السكن بالتنمية الشاملة أو المستدامة.

كيف تقرأ مشروع القانون الجديد؟

ينهي عقود الإيجار القديم إنهاء قسريا بقوة القانون، وبالتالي العودة لقانون 4 لسنة 1996 الذي يمثل جريمة في حق الشعب المصري، كونه أطلق معايير الإيجار بلا ضابط، وبالتالي ترتب عليه مبالغة في القيم الإيجارية أهدرت حقوق حماية المستأجر، ومشروع القانون الجديد تعبر عن انحياز واضح من مقدميه إلى الملاك وأصحاب رؤوس الأموال.

ما مدى دستوريته؟

موصوم بالعوار لأن المحكمة الدستورية العليا أصدرت في عام 2002 حكما حاسما رقم 70 لسنة 18 قضائية دستورية، بإبقاء الوضع الإيجاري الإسكاني الخاص بقانون الإيجارات القديم كما هو عليه، والامتداد يكون مرة واحدة، وقسرته على فئات الدرجة الأولى، وهم الزوجة والأولاد، وألحقت بهم الأب والأم، وكان يجب أن يستند إليه المشرع في البرلمان قبل تقديم مقترحه الجديد، الذي جاء مخالفا؛ بعدما نص على تحرير العقد بين المالك والمستأجر بعد 10 سنوات! في مخالفة صريحة لحكم المحكمة الدستورية العليا، ويعد تعد صريح من السلطة التشريعية على القضائية وأحكامها، ومن ثم، يهدد القانون الجديد فكرة السلام الاجتماعي، المبدأ الدستوري الذي أقرته كل الدساتير.

ما أبرز المواد التي توقفت عندها؟

مقترح القانون بزيادة متدرجة للقيمة الإيجارية، وتحرير العقود على فترة انتقالية تختلف باختلاف نوع الإيجار، فالإيجار الإداري للحكومة مثلا وهيئاتها، حددها من سنة إلى 5 سنوات في المناطق الخدمية، أما التجاري بعد 5 سنوات، والإسكاني تتحرر عقوده بعد 10 سنوات، وهي مواد تعكس التناقض في بنية المشروع المقدم، حيث لامنطق من زيادة الإيجار لمستأجرين أيا كان نوعهم وهم مآلهم الطرد فى النهاية من الشقة! بالإضافة إلى مواد أخرى جاءت مجحفة أيضا، وهى الزيادة المبالغ فيها للقيم الإيجارية من قيمة المثل، فمثلا أن تكون الزيادة في السنة الأولى للقيمة الإيجارية 20% من قيمة المثل، بمعنى لو مستأجر يدفع إيجار الشقة فى السيدة زينب 50 جنيها، وقيمة المثل الحالية 1000 جنيه، أي أن المواطن عليه أن يدفع في أول تطبيق 250 جنيها، ثم تصبح 350.

تضمن مشروع القانون مادة تسمح بإنشاء صندوق لدعم المستأجرين.. كيف تقرأها؟

مادة إغرائية فقط وفضفاضة، لاتلزم الدولة بأي شكل لتقديم دعم للمستأجرين، والهدف منها استمرار وضع المستأجر في المراكز القانونية الضعيفة التي تؤدي في النهاية لطرده، بل أضاف القانون أعباء جديدة على المستأجر، منها إلزامه بصيانة العين، والقصد تقديم مبررات قانونية لمخالفة المستأجر للقانون المطروح، ما يعد ترصدا لطرده في أي لحظة.

مقدمو المشروع يؤكدون أن القانون يعيد الحق لأصحابه خاصة الملاك الذين ظلموا من قيم إيجارية زهيدة عبر سنوات طويلة.. كيف ترى ذلك؟

القانون لم يدرس مشكلات الواقع بدقة، وأن هؤلاء الملاك ليسوا الأصليين، بل تدخلوا لشراء عقارات مشغولة بمستأجرين، وبالتالي اشتروها بأثمان أقل، وهم أصحاب المصلحة الحقيقية في طرد السكان حرصا منهم على استرداد مادفعوه أضعافا مضاعفة، وبالتالي القانون لا يستهدف المالك الفقير الذي تشكل له الأجرة الزهيدة ضررا، بل يعبر مشروع القانون عن انحياز واضح للملاك الجدد، وانفصل عن الواقع لأنه لم يتحدث عن ظاهرة “الخلوات الحديثة” المقدمة في السكني والتجاري، بين المالك والمستأجر القديم.

وماذا عن مادة إنهاء عقود المستأجر السكني بعد 10 سنوات؟

مادة تمس ملايين المستأجرين ولا يمكن تنفيذها على مستوى التطبيق العملي، بل إن مروجي مشروع القانون يعتمدون على طريقة خطيرة تشيطن المستأجرين وتصورهم على أنهم مغتصبون لحقوق الملاك، ومن ثم نحن أمام تشريع يؤدي إلى فتنة مجتمعية يجب أن يكون البرلمان أشد حرصًا على عدم إشعالها، والدليل على ذلك أن الفترة الأخيرة من أثر حملة الترويج لهذا القانون تضاعف الاحتقان بين المالك والمستأجرين، ووصلت إلى مشاجرات وحوادث بالقتل، فكيف يتعامل البرلمان بسهولة مع قانون يتعلق بعلاقات وصلت لعشرات السنوات بين المالك والمستأجر، ترتب عليها العديد من المشكلات!

كم عدد المستفيدين من قانون الإيجارات القديمة؟

لا توجد إحصائيات دقيقة، لكن تقدير تقريبي، هناك ما بين 12 إلى 15 مليون مواطن بالإيجار السكني، وما بين 10 ملايين بالإيجار التجاري، أي أن نحو ثلث المجتمع متضرر من هذا القرار التعسفي المتلبس بثوب التشريع من البرلمان، دون أي دراسة حقيقية ودقيقة، مما يفتح الباب على مصراعيه نحو الفتن المجتمعية.

كيف يمكن لنظام سياسي ومؤسسة تشريعية بحجم البرلمان أن تدخل البلد في هذا النفق المليء بالفتن؟

لا أعلم، لكن هناك احتمالات مشروعة بأن هذا الإصرار الذي تمارسه الدولة والبرلمان مرتبط بتفاهمات وشروط صندوق النقد الدولي، الذي بدأ مع مصر منذ منصف القرن الماضي، وكان أحد آثاره هو قانون 4 لسنة 1996، والآن يكمل الصندوق مطالبه بالتحرير النهائي للثروة العقارية بمصر، وأن يكون متاحًا للاستثمار والعرض والطلب في بورصة العقارات، ومن ثم إذا صحت هذه الفرضية، أعتقد أن مصر ستدخل على كارثة كبرى وتتحول من وطن يأوي المواطنين إلى شركة كبرى أشبه بترانزيت عابر للقارات.

وجهة النظر الأخرى تقول: كيف لمالك يؤجر شقته في مصر الجديدة بـ10 جنيهات في الوقت الذي تصل فيه قيمة إيجارها إلى 4 آلاف جنيه.. فكيف ترى الأمر؟

هي حجة بكل تأكيد يرددها أصحاب المشروع، فهو يراد به باطل، ومدخل لتحقيق الهدف الأساسى لتحرير العلاقة بين المالك والمستأجر، لكن نحن لسنا ضد الزيادة في القيمة الإيجارية من حيث المبدأ نهائيًّا، ونريد فعلًا أن يحصل المالك على إيجار عادل ومتوازن، لكن ليست بهذه القيم المبالغ فيها بالمشروع الجديد، نحن نطالب بزيادة تحسب بالقدر المعقول، وتمثل الحد الأدنى للمالك من الرضا وألَّا تشكل عبئًا على المستأجر؛ فليس ذنبه أن يكون مستأجرًا قديمًا، فلا ينبغي تحميله كل السياسات الاقتصادية الإسكانية الخاطئة التي حدثت خلال العقود الماضية، ثم قانون الإيجار الجديد، فهذا أمر لا يستقيم!

إلى أي مدى يحقق مشروع القانون النص الدستوري لعام 2014 فيما يتعلق بالحق في السكن؟

فلسفة القانون تبتعد عن النص الدستوري تمامًا، وهو الحق في السكن بمادته 78، فالبرلمان يقدم مشروعًا يتعامل مع السكن على أنه سلعة وليس حقًّا دستوريًّا، فالقانون الجديد يتعامل مع الإيجار بمنطق «اللي معهوش ميلزموش» في دولة تعاني من أزمة سكانية وكارثة إنسانية؛ نتيجة غياب الخطة التنموية البشرية، ويأتي المشروع طاردًا لملايين من البشر، في ظل دولة عاجزة عن تقديم الحق في السكن الملائم لملايين أخرى، لذا القانون الجديد لا يحل مشكلة السكن بل يعقدها ويجذرها.

البعض يرى أن قانون الإيجار القديم ترتب عليه إغلاق 3 ملايين شقة والتخلص منها سيعيد التوازن للسوق العقارى؟

 حجة جديدة لا تؤدي إلى شيء؛ والدليل أنه مر على قانون الإيجار الجديد 20 سنة ولم يحقق التوازن المزعوم، ولم يؤد إلى فتح الوحدات السكنية المغلقة، أي أننا نواجه المشكلة ذاتها التي لم تحل حتى الآن، لذا التشريع الجديد ينبغي عدم بنائه على نظريات وفرضيات لم تثبت صحتها، خاصة أنه قانون مرتبط بالحق في السكن، ويرتبط بتشريد آلاف الأسر وقطع أرزاق ملايين أخرى.

ما تقييمك لرؤية الدولة في مشروعاتها السكنية والتزامها بالحق في السكن كمبدأ دستوري أصيل؟

السياسات التنفيذية للإسكان تشوبها العشوائية، والدولة كاذبة في تصريحاتها بأنها تدعم الحق في السكن، عندما تتحدث عن مشروع الاسكان الاجتماعي، وتمنح المواطن الوحدة بسعر التكلفة فهي هنا لا تدعم المواطن من الميزانية كما تدعي.

والسياسات الإسكانية منذ عقدين أو أكثر انحازت بشكل كامل لأصحاب رؤوس الأموال، وانعكس ذلك بشكل واضح على الطرز العقارية المطروحة من أنماط التمليك والشراء وليس الإيجار، بما لا يوازي المقدرة الشرائية للمواطنين، بالإضافة إلى دعم الدولة وتسييرها لما يعرف بالبناء الاقتصادي الترفيهمي، فيما يعرف بالـ«كمبوند»، ولم تتجه لبناء للفئات المهمشة أو الفقيرة أو محددوي الدخل، وهو مات رتب عليه خلل في الأزمة الإسكانية، وبدلًا من العمل على تشريعات تصحح تلك السياسات حدث العكس، حيث نجد أنفسنا أمام قانون ينحاز لرأس المال.

ما هي الحلول العملية التي توصي بها للبرلمان للخروج بمشروع تعديل قانون الإيجارات القديمة بشكل عادل؟

أن يتوقف البرلمان في عرضه للقانون بمنطق المظلومية من طرف على طرف، فالمسألة أبسط مما هو مطروح، وتبدأ بإيمان البرلمان بأن الالتزام بالحق في السكن محصن دستوريًّا، وليس هناك شيء يسمى طرد السكان بعد 10 سنوات من الوحدات السكنية، وأنه لا اعتراض على الزيادة وتحديد القيمة الإيجارية من حيث المبدأ، لكن بطريقة عادلة طبقًا لشرائح التعاقد، وعلينا أن نعمل مستقبلًا على إصدار تشريع لقانون موحد للعقارات الإيجارية؛ لأن 70% من الشعب يحصل على الحق في السكن بالإيجار، والبرلمان يجب أن يكون على قدر تلك المسؤولية بسن تشريعات تسهل للشباب الحق في  السكن.

هل تمت دعوتكم من البرلمان للحوار وطرح رؤيتكم حول مشروع القانون؟

لم تتم دعوتنا للحديث والحوار المجتمعي للقانون، ونحتاج إلى تصريح رسمي من رئيس البرلمان بمواعيد مناقشة المشروع أو تأجيله؛ لأن هناك ملايين المواطنين ينتظرون هذا القانون بقلق، خاصة أن هناك تصريحات متضاربة تصدر من النواب، وهو ما يضاعف الاحتقان بين الملاك والمستأجرين.