السبعينيات عقد العنف الثوري.. المقاومة الفلسطينية نموذجا

بحسب كثيرين ظل العنف مرتبطا بالثورة وطريقا لها لا بديل له؛ لكن مع تطور الأدوات لدى الاحتلال بكافة صوره وأشكاله وإمعانه في التنكيل بالشعوب التي تتوق للتحرر- طُرح ما سمى بالمواجهة اللاعنفية التي اتخذت أشكالا عديدة كالعصيان المدني، والمقاطعة وغيرها، ولعل ما قام به غاندي في مواجهة الاحتلال البريطاني يمثل أبرز نماذج اتجاه اللاعنف، لكن كثيرين من المفكرين الغربيين من ذوي التوجهات اليسارية مثل جورج لابيكا وفرانز فانون يرون العنف الثوري استجابة طبيعية لما يمارسه الطرف الآخر من إجرام “لأن الفقر هو أقصى حالات العنف” حسب لابيكا أما الاستسلام للاعنف فإنه يسحق روح النضال لدى الشعوب، ويجعلها أكثر قبولا للأمر الواقع، بل أكثر تواؤما مع المحتل الغاصب، أو المستبد الناهب الذي يعمد إلى زرع الاستكانة في النفوس بما يمارسه من إرهاب استباقي متعدد الأشكال.
وظيفة العنف الثوري
يرى فرانز فانون العنف الثوري ذا وظيفة لا يمكن الاستغناء عنها، وهي وظيفة تتخطى وظيفته السياسية كورقة ضغط يمكن من خلالها تحسين شروط المناورة، أو تحصيل مكاسب معينة، إن أهمية تلك الوظيفة تكمن في قدرة العنف الثوري على إحياء باعث التحرر والنهضة والإبداع في النفوس الذي تسعى دائما سياسات المحتل وممارساته لقتله، أو لعزله عن التفاعل بحيوية ليتعفن ويموت، وبفنائه تخفت نوازع التحرر والتوق إلى الخلاص.. لذلك فهي “وظيفة اجتماعية- نفسية تطغى على كل وظيفة أخرى. وظيفة ذات تبعات استراتيجية هائلة يصعب حتى تصور مجرد إمكانية التفكير في إنجاز فكرة التحرر والثورة من دونها. فالعنف الثوري هو الوحيد الكفيل- كما يعلمنا التاريخ- بتمكين المُستعمَر من تجاوز القبول أو القناعة، بتلك الحالة الدونية الحقيرة التي يخلقها الاستعمار لدى المستعمرين، والتي من دون تجاوزها لا يمكن الحديث عن تحرر أو ثورة على الإطلاق”.

يهدف المحتل دائما إلى تسييد ثقافة الهزيمة، واستنبات بذرة الظلم في وعي الجماهير، ويعتبر ذلك من أهم أسباب بقائه، كما ترى أودري لورد أن «التغيير الثوري الحقيقي … لا يكون إلا بالخلاص من تلك القطعة من الظالم التي غُرِسَتْ في أعماق كل واحد منا والتي لا تعرف إلا تكتيكات المضطهِد وعلاقات الاضطهاد”.

“أيلول الأسود” تنزع الاعتراف بمنظمة التحرير
اتخذت الثورة الفلسطينية منذ البداية نهج العنف الثوري ضد الصهاينة وكانت أولى تلك العمليات في أوائل عشرينات القرن الماضي بتفجير مستعمرة قرب عجلون شرق نهر الأردن، ولظروف عديدة كان العنف الثوري يهدأ حينا ويشتعل حينا، إلى أن جاء أيلول الأسود بأحداثه المؤسفة التي أسفرت عن استشهاد الآلاف من رجال الفصائل الفلسطينية، إضافة إلى نحو ستمئة جندي سوري على أيدي قوات الجيش الأردني، وترتب على ذلك خروج ما تبقى من الفصائل إلى لبنان.

عقب تلك الأحداث أُسست منظمة أيلول الأسود بقيادة صلاح خلف (أبو إياد) وكان هدفها الانتقام من بعض المسئولين الأردنيين فكانت محاولة اغتيال زيد الرفاعي في لندن منتصف سبتمبر 1971، كما نجحت في اغتيال رئيس الوزراء الأردني وصفي التل في القاهرة على يد عزت رباح أواخر نوفمبر من نفس العام.

في هذا الوقت كانت منظمة التحرير الفلسطينية تسعى لانتزاع اعتراف عربي ودولي بها كممثل وحيد للشعب الفلسطيني، لذلك فإن المنظمة قد نفت أي علاقة لها بمنظمة أيلول الأسود؛ لكن الحقائق تؤكد أن ما قامت به أيلول الأسود من عمليات كان السبب الأول في اعتراف العالم بمنظمة التحرير ممثلا وحيدا للشغب الفلسطيني.

الموساد يسعى للانتقام
من أشهر عمليات المنظمة عمليتان جرت أحداثهما في مدينتين أوروبيتين هما: عملية ميونخ التي قتل فيها أحد عشر رياضيا صهيونيا خلال دورة الألعاب الأولمبية في الخامس من سبتمبر1972، وعملية اغتيال ضابط الموساد باروخ كوهين في مدريد في الثامن والعشرين من يناير1973، العملية الأولى كان الهدف منها احتجاز رياضيين صهاينة مشاركين في دورة الألعاب الأوليمبية بميونخ للمطالبة بالإفراج عن 236 معتقلاً في السجون الإسرائيلية معظمهم من العرب بالإضافة إلى كوزو أوكاموتو من الجيش الأحمر الياباني، أضيف إليهم اثنان من منظمة بايدر ماينهوف الألمانية المتعاطفين مع القضية الفلسطينية.. انتهت العملية بمقتل الرياضيين الصهاينة جميعا واستشهاد خمسة من أصل ثمانية من المنفذين وشرطي وطيار ألمانيين- على أيدي قناصة ألمان بعد فشل محاولة الإنقاذ التي تأسست على خديعة بعد نقل المنفذين والرهائن إلى مطار فورشينفليد.. الطريف في الأمر أن عددا من الرياضيين الأمريكيين كان قد سهل- عن غير قصد- دخول المنفذين إلى القرية الأوليمبية عندما عادوا في ساعة متأخرة في حالة سُكر، والتقوا المنفذين قرب السور، وتعاون الجميع في اجتيازه دون إحداث ضوضاء!

عقب ذلك صادقت لجنة برئاسة غولدا مائير وضمت موشي ديان، ووزيرين آخرين، ورئيس “الموساد” تسفي زامير، على عملية “غضب الرب” الهادفة لاغتيال عناصر منظمة “أيلول الاسود” وقادتها المتواجدين في أوروبا.. أوكلت المهمة لصعوبتها إلى الموساد إذ كانت كافة تحركات رجال أيلول الأسود تجرى في سرية تامة، وكلف بمهمة جمع المعلومات ضابط يدعى باروخ كوهين يعيش كرجل أعمال من العاصمة الإسبانية التي يتخذها مقرا لعمله كرئيس لأكبر شبكات الموساد في غرب أوروبا، ويتعرف كوهين على طالب جامعي فلسطيني يدعى سمير أحمد مؤيد، لمحاولة الحصول منه على معلومات حول النشطاء الفلسطينيين في إسبانيا؛ لكنه لم يدر بخلده أن مؤيدا هو أحد رجال منظمة أيلول الأسود.. وكان كوهين قد استقدم أحد زملائه المتخصصين في التحليل النفسي ويدعى إيلي عيزر للكشف عن حقيقة الشاب الفلسطيني بعد أن داخلت كوهين بعض المخاوف؛ إلا أن الظروف لم تسمح بلقائه بالشاب؛ إلا أن ضابطا آخر كان قد حذر كوهين من مؤيد ؛ ويبدو أنه كان مدفوعا إلى حتفه برغبة قوية في الحصول على أي معلومة تخص المنظمة.

ويلتقي كوهين مؤيدا في أحد مقاهي مدريد أواخر يناير من العام 1973، وعندما كانا يهمان بالمغادرة ظهر شخص ما فجأة، وبسرعة خاطفة يودع جسد كوهين ست رصاصات لامعة قبل أن يختفي هو ومؤيد من على مسرح الأحداث.

أثارت هذه العملية مخاوف كبيرة لدى الصهاينة، وجرحت كبرياءهم المتوهم مما دفعهم لتنفيذ عملية انتقامية في بيروت قبل مرور ثلاثة أشهر أسفرت عن استشهاد ثلاثة من قيادات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين هم كمال ناصر وكمال عدوان وأبو يوسف النجار، وقد نجا أبو إياد صلاح خلف من الاغتيال بإرادة إلهية.

قامت منظمة أيلول الأسود في عقد السبعينات بنحو عشر عمليات كبيرة ومؤثرة ساهمت بشكل كبير في إثارة انتباه العالم للقضية الفلسطينية التي كاد النسيان يطويها، كما كان لها الدور البارز في مسارعة دول العالم للاعتراف بمنظمة التحرير.. مما يؤكد أن العنف الثوري يفرض نفسه كضرورة في أحيان كثيرة؛ لأن الواقع يصرخ بأنه ليس أمام المستضعفين إلا أن يأخذوا العدالة بأيديهم.. تلك العدالة التي تقتضي أن يصل الجلادون والسفاحون إلى مكانهم الطبيعي في قعر الجحيم بأسرع الطرق الممكنة.