أردوغان يزرع التطرف في تركيا منذ 1998 (مترجم)

في أول ظهور علني له منذ مذبحة ليلة رأس السنة في ملهى ليلي بإسطنبول، وجد الرئيس التركي أردوغان، نفسه مضطرا إلى رفض فكرة أن حكومته تتبع نهجا متعصبا تجاه المجتمع المدني، والذي ربما شجع على الهجوم الذي تبنته داعش، وخلف 39 قتيلا.

تحدث أردوغان قبل اجتماعه المعتاد مع قادة المجتمع المنتخبين، وهي الفرصة التي دائما يستخدمها للحصول على الدعم السياسي، ومع ذلك، فإن صدمة الهجوم زادت تقسيم الدولة المقسمة بالفعل، وفي حين أحدا لا يعتقد أن الحكومة مسؤولة بشكل مباشر عن الحادث، فإنها متهمة بخلق جو من التعصب الديني يتماشيا مع جرائم القتل والمجرمين، وقال أردوغان: “لا ينبغي إجبار أحد على مشاركة نفس النوع من الحياة”، مضيفا أنه لو وقع أحد تحت ضغط ليتمشى مع الطريقة الغريبة في الحياة سيكون هو.

صعود أردوغان من رجل يسير في الشوارع إلى القصر الذي تقدر تكلفته بمليار جنيه استرليني، أمر غير ممتع بالفعل، ففي عام 1998، تم طرده من مكتب عمدة بلدية اسطنبول، وسجن لفترة وجيزة لإلقائه قصيدة قومية اعتبر المدعي العام أنها تحرض على العنف والكراهية الدينية.

حادث الملهى الليلي لا يمكن أن ينساه المجتمع التركي، كما أن المسلح لا يزال طليقا، مما يزيد الصدع في المجتمع التركي، وعلى الرغم من تأكيدات الرئيس بشأن القبض على الجاني، فإن العديد من الأتراك يشعرون بأن أسلوب حياتهم وطريقة معيشتهم تحت الحصار.

يقع ملهى “رينا” عند جسر البسفور الأول، أحد مناطق الانقلاب العسكري الذي وقع في يوليو الماضي، ومنذ ذلك الحين تعيش تركيا تحت وطأة حالة الطوارئ، في محاولة للتخلص من السياسيين الذين تم وصفهم بالإرهابيين المتسللين للدولة، كما أن الحكومة تتهم أنصار الداعية فتح الله جولن، بالتخطيط للانقلاب.

من الصعب الحصول على الأرقام الدقيقة الخاصة بالمفصولين من الخدمة المدنية والتي أتت كنتيجة لتوابع الانقلاب، ولكن تقديريا يبلغ عددهم نحو 12 ألف شخص، يتعرض نحو ثلثهم للعديد من أشكال الاحتجاز، من بينهم اثنان من قضاة المحكمة الدستورية.

بعد الهجوم على الملهى الليلي، بدأ الكثير يشك في أن الحكومة تطارد العدو الخطأ، أو بشكل آخر، يتساءل العديد هل هذه عواقب عملية التطهير التي قام بها أردوغان، ربما كان الدافع إلى هذا التفكير ما حدث في ديسمبر الماضي، حين قتل شرطي تركي مفصول من الخدمة، السفير الروسي، انتقاما لما يحدث في حلب، حسب صرخات الشرطي.

خرج الناس العاديون، بالإضافة إلى مؤيدي الحكومة في يوليو الماضي، للاعتراض على الانقلاب، وفي غضون ساعات عادت الأمور لطبيعتها، حتى أن مطار أتاتورك فتح أمام الرحلات التجارية، وأصبح أردوغان أقوى مما سبق، ولكن البلاد تضعف بشكل متزايد بسبب طريقة حكمه.

يخشى الكثيرون من اعتماد أردوغان في الوقت الحالي كليا على مؤيديه، وقد تخلى عن كافة المعارضة، ليظهر وكأنه زعيم أمة واحدة، وفي هذا السياق، تقول عائشة أونكو، أستاذ علم الاجتماع في جامعة سابانجي في إسطنبول: “لم تعد تركيا تفكر في اليمين واليسار، وإنما فقط في العلمانيين والإسلاميين”.

وزارة الشؤون الدينية، والتي تمولها الحكومة التركية، أخذت المبادرة من على المنبر وشوهت صورة الاحتفال بالعام الجديد، مما دفع إحدى المدارس الألمانية في إسطنبول إلى إلغاء احتفالات عيد الميلاد، وبعدها نشر موقع دويتش فيله الألماني، كاريكاتيرا يصور أردوغان باعتباره “سارق” عيد الميلاد.

ما يخشاه العلمانيون هو حرص الحكومة على تجريم المعارضين، حيث إن نحو 140 صحفيا وكاتبا خلف قضبان السجون التركية، وهناك حملة شرسة على وسائل الإعلام منذ الانقلاب.

بعد 15 عاما من الانفتاح التركي، تبدو أنقرة الآن في عزلة عن العالم، خاصة بعد الأزمة السورية، وخلافها مع روسيا بشأن دعم الأخيرة للرئيس السوري بشار الأسد، بالإضافة إلى إسقاط أنقرة لطائرة حربية روسية في نوفمبر 2015، والآن تدخل تركيا في خلاف مع الولايات المتحدة، بحجة دعم واشنطن للمقاتلين الأكراد، بدلا من محاربة داعش.

سجل حقوق الإنسان التركي الوخيم يضعف مكانة البلاد على الساحة الدولية، ويضعف التعاطف الدولي مع الحكومة كونها ضحية لمحاولة انقلاب، ومع تراجع النفوذ التركي، أصبحت تركيا أرضا خصبة للحدس ونظريات المؤامرة، حيث ترى الحكومة أن الجميع هو السبب، فقد قامت إحدى الصحف الموالية للحكومة باتهام الرئيس الأمريكي باراك أوباما، بالهجوم على الملهى الليلي.

ومع برودة الطقس، تعرضت تركيا لانقطاع كهربائي في نهاية شهر ديسمبر، ليؤكد العلمانيون أنها محاولات من الحكومة لإفساد الاحتفال بالعام الجديد، وبعدها خرج وزير الطاقة وهو زوج ابنة الرئيس، ليدعي أن الشبكة الكهربائية تعرضت لهجمات أمريكية.

ليس لدى تركيا الموارد الطبيعية التي يمكن أن تستخدمها للحفاظ على إخلاص مؤيديها، وما يعتمد عليه حزب العدالة والتنمية الآن هو فقط بناء الجسور والأنفاق، ومراكز التسوق، حتى إن شوارع البلاد أصبحت فارغة بشكل مخيف، وتقع الليرة التركية تحت الهجوم، وسط ارتفاع معدل التضخم وتباطؤ النمو، ورفع أسعار الفائدة، ويقول مراد أوسير، الاقتصادي في شركة جلوبال ريسورس: “هذه هي الأوقات التي يبحث فيها المستثمرون عن رد سياسي قوي، ولكن المناخ السياسي يثبت أنه من الصعب الحصول على هذا الرد”.

تركيا تحت حكم الطوارئ، كما أن الرئيس يضغط لتمرير الإصلاحات الدستورية التي ستمنحه المزيد من القوة، ويقول أرغون أزبودن، أستاذ القانون الدستوري الذي أسهم في وضع دستور عام 2007: “النظام الرئاسي الديمقراطي له ضوابط وتوازنات، ولكن حكم أردوغان سيكون حكم الرجل الواحد”.

ورغم كل ما يحدث، فإن عددا قليلا جدا يتوقع تراجع أردوغان عما يقوم به، حيث قال لشعبه بمناسبة العام الجديد: “ربما لا تحب شيئا وهو جيد لك، وربما تحب شيئا وهو سيئ لك”، في إشارة منه إلى أن الاستبداد الجديد هو الدواء المر، وسوف يحب الشعب طعمه.

ذا أوبزرفر