هاني سليمان لـ«البديل»: استعادة الدورالمصري مرهون بتحقيق نجاحات داخلية

اضطرابات عديدة يشهدها المحيط العربي والإقليمي تطرح أسئلة كثيرة، وتفرض ضرورة قراءة المشهد لمعرفة ملامح سياسة مصر الخارجية، وما تتطلع إليه في المرحلة المقبلة.

“البديل” التقى الباحث السياسي الدكتور هاني سليمان، للوقوف على ما حققته الإدارة المصرية في العام الماضي في عدد من الملفات الشائكة التي تتعلق بقضايا الأمن القومي المصري.. وإلى نص الحوار..

ــ كيف ترى تعامل الإدارة المصرية مع ملف سد النهضة؟

اتبعت الإدارة المصرية في مفاوضات سد النهضة استراتيجية قائمة على سياسة النفس الطويل، متجنبة خيارات التصعيد، ربما انطلاقا من إدراكها القوة النسبية للموقف الإثيوبي وتفوقه النوعي حيث هو من يتحكم بأوراق الملف ومن ورائه أمريكا وإسرائيل.

ربما تلك الاستراتيجية مفهومة في ظل الأوضاع الآنية، لكن في بداية تنفيذ أعمال بناء السد، كانت الفرص المصرية كبيرة والخيارات عديدة، وكان من الممكن الضغط ومحاولة فرض الإدارة الثلاثية للسد، أو محاولة تحويل الأزمة إلى نطاق أكبر للتعاون من خلال إحراج الجانب الإثيوبي بدعوة دول الحوض لمحاولة فرض تعاون شامل على الطرف الإثيوبي يدخل فيها السد العالي وسد النهضة وغيرها من المشروعات لدول الحوض، بحيث يكون الرفض الاثيوبي لذلك ورقة مضادة تضعف موقفه.

أدوات الإدارة المصرية للملف، تأثرت بالفترة الانتقالية منذ 2011، وما بعدها، حيث استثمرت إثيوبيا الانشغال المصري بقضايا بناء الدولة والاستقرار، واستطاعت فرض أمر واقع، لم تكن تجرؤ على اتخاذه قبلها، ثم جاء توقيع الرئيس السيسي، على إعلان المبادئ كخطوة هامة، لكنها ناقصة، حيث كانت بداية لتقديم حسن النية، وكان لا بد أن تتبعها إجراءات معينة من الجانب الإثيوبي، لكنه اتبع سياسة كسب الوقت، مستغلاً الأداء المصري التفاوضي البطيء، ويكفي أن تشكيل المكاتب الاستشارية أخذ أكثر من سنة ونصف، ولم تبدأ عملها بعد.

ــ هل يؤثر التوغل التركي والإسرائيلي في إفريقيا على الأمن القومي المصري والعربي؟

التوغل التركي في إفريقيا يستهدف توسيع نفوذ تركيا وتحقيق طموحات أردوغان، وأظن أنه منطلق من أهداف اقتصادية، لكن تحركات أخرى مثل التحركات الإسرائيلية، أعتقد أنها تنطلق من فكرة تحقيق وتعظيم المنافع الاقتصادية خاصة شبكات الكهرباء في سد النهضة، علاوة على تحجيم الدور المصري ومحاصرته كأوراق ضغط، وهذه لا تؤثر فقط على مصر، لكن على الأمن القومي العربي كله.

ــ كيف تقرأ تصرف مصر في قرار إدانة الاستيطان الأخير؟

كان سحب المشروع المصري المتعلق بوقف الاستيطان علامة فارقة وصدمة للبعض، خاصة أن من تولى طرح المشروع بعد أن سحبته مصر دولا ليست عربية، وأعتقد أنه كان هناك ضغوطا كبيرة على مصر خاصة من القيادة الأمريكية الجديدة ممثلة في ترامب.

ــ هل أصبحت القضية الفلسطينية هامشية بالنسبة للقاهرة؟

لقد أحدثت سنوات “الربيع العربي” نوعا من العزلة لعديد من الدول ومنها مصر، فتراجعت القضية الفلسطينية في اهتماماتها لحساب تحقيق الاستقرار الداخلي، لكن القضية الفلسطينية بالنسبة لمصر قضية مصيرية حتى ولو بحسابات الأمن القومي والمصلحة، وورقة قطاع غزة أحد أهم أدوات الضغط المصرية على إسرائيل، وهي لا تريد أن تفقدها، علاوة على أن مصر تقود مبادرات تحقيق المصالحة الداخلية بين فتح وحماس.

ــ وماذا بشأت جزيرتي تيران وصنافير؟

بحسابات الأمن القومي فإن السيادة المصرية على الجزر تضمن السيطرة على خليج العقبة، بما يضمن تحقيق نفوذ وهيمنة مصرية وأداة ضغط على الجانب الإسرائيلي، الملفت في الأمر أن طرح القضية برمتها جاء مفاجئا في ظل ميراث وثائقي تاريخي تربوي ثقافي سياسي عسكري يرسخ سيادة مصر الكاملة على الجزر، وأكاد أجزم أن معظم السعوديين تفاجئوا بهذا الأمر.

ــ هل ستختلف العلاقات المصرية الأمريكية في عهد ترامب؟

أظن أنها ستكون أكثر قوة، خاصة أن الإدارة المصرية لم تكن متوافقة بشكل كامل مع إدارة أوباما، وأيضا في ظل الدعم المصري المعلن لترامب كمرشح جمهوري، والتوافق على ملفات محددة مثل الحرب على الإرهاب، والملف السوري.

ــ هل تستطيع مصر استعادة دورها في المنطقة في الوقت الراهن؟

تمتلك مصر العديد من المقومات الجيوبلوتيكية التاريخية الديموغرافية التي مكنتها عبر فترات تاريخية مختلفة من أن تتبوأ مكانة ريادية على صعيد الإقليم والمنطقة العربية وإفريقيا، إلا أن  الحديث الآن عن قدرة القاهرة على استعادة دورها ونفوذها بشكل كامل، وإن كنت أراه صعبا للغاية، يظل حديثا مرهون بعدد من الخطوات الداخلية والخارجية؛ فالسياسة الخارجية لأية دولة هي حصيلة سياساتها الداخلية وتعبيرا عن قدراتها ورؤيتها لذاتها وموقعها؛ وبالتالي فإن أي حديث عن استعادة الدور لن يكون له معنى حقيقي إلا بالبدء ببناء المؤسسات على قواعد جديدة قائمة على محاربة الفساد وتحقيق التنمية، وهو الذي سيفضي في النهاية عن رضاء وسلام مجتمعي، وبالتالي تحقيق الاستقرار السياسي الكامل.

وعلى القاهرة أن تعيد تعريف سياساتها الخارجية وأولوياتها في محيط مضطرب، وفقا لأولويات الأمن القومي والمصلحة الوطنية، وإعادة تعريف للعدو، والتحالفات التي تعظم المصالح المصرية، وأن تكون السياسة الخارجية حصيلة مجمعة لرؤى وخبرات المؤسسات المصرية، تكون فيها رؤية رئيس الجمهورية أحد أهم محاورها، وليست متوقفة عليها بشكل كامل.

ــ وماذا عن العلاقات المصرية العربية؟

تمثلت الفجوة العربية الرئيسية في النظام العربي في عدة عوامل مهمة أثرت على طبيعة الدور المصري؛ أولاً، لم تصبح القضية الفلسطينية هي المحدد الرئيسي والرابط الأقوى التي تتمحور حوله العلاقات العربية، وهو ما فتح المجال لتفضيلات كل دولة منفردة لأولويات ملفاتها وتحالفاتها، كما أن هناك حالة من الانقسام العربي الحادة حول ملفات عدة، أهمها السوري واليمني والليبي.