قصيدة وشاعر| «الملاح التائه» لعلي محمود طه

احتل علي محمود طه مكانة مرموقة بين شعراء الأربعينيات في مصر منذ صدر ديوانه الأول “الملاح التائه”. وفي هذا الديوان نلمح أثر الشعراء الرومانسيين الفرنسيين واضحًا، لا سيما شاعرهم لامارتين. وإلى جانب تلك القصائد التي تعبر عن فلسفة رومانسية غالبة كانت قصائده التي استوحاها من مشاهد صباه حول المنصورة وبحيرة المنزلة من أمتع قصائد الديوان وأبرزها، وتتابعت دواوين علي محمود طه بعد ذلك، فصدر له: ليالي الملاح التائه، أرواح وأشباح، شرق وغرب، أغنية الرياح الأربع، وغيرها.

ولد عام 1901م بمدينة المنصورة لأسرة من الطبقة الوسطى، وقضى فيها صباه، ورحل في 1949م، إثر مرض قصير لم يمهله كثيرًا وهو في قمة عطائه وقمة شبابه.

أيّها الملاح قم و اطو الشّراعا

لم نطوي لجّة اللّيل سراعا

جدّف الآن بنا في هينة

وجهة الشّاطئ سيرًا و اتّباعا

فغدًا يا صاحبي تأخذنا

موجة الأيّام قذفًا واندفاعا

عبثًا تقفو خُطَى الماضي الذي

خلت أنّ البحر واراه ابتلاعا

لم يكن غير أويقات هوى

وقفت عن دورة الدّهر انقطاعا

فتمهّل تسعد الرّوح بما

وهمت أو تطرب النّفس سماعا

ودع اللّيلة تمضي إنّها

لم تكن أوّل ما ولّى وضاعا

سوف يبدو الفجر في آثارها

ثمّ يمضي في دواليك تباعا

هذه الأرض انتشت ممّا بها

فغّفت تحلم بالخلد خداعا

قد طواها اللّيل حتى أوشكت

من عميق الصّمت فيه أن تراعا

إنه الصّمت الذي في طيّه

أسفر المجهول والمستور ذاعا

سمعت فيه هتاف المنتهى

من وراء الغيب يقريها الوداعا

أيّها الأحياء غنّوا واطربوا

وانهبوا من غفلات الدّهر ساعا

آه ما أروعها من ليلة

فاض في أرجائها السّحر وشاعا

نفخ الحبّ بها من روحه

ورمى عن سرّها الخافي القناعا

وجلا من صور الحسن لنا

عبقريًّا لبق الفنّ صناعا

نفحات رقص البحر لها

وهفا النّجم خفوقًا و التماعا

وسرى من جانب الأرض صدى

حرّك العشب حنانًا واليراعا

بعث الأحلام من هجتها

كسرايا الطّير نفّرن ارتياعا

قمن بالشّاطئ من وادي الهوى

بنشيد الحبّ يهتفن ابتداعا

أيّها الهاجر عزّ الملتقى

وأذبت القلب صدًّا وامتناعا

أدرك التائه في بحر الهوى

قبل أن يقتله الموج صراعا

وارع في الدّنيا طريدًا شاردا

عنه ضاقت رقعة الأرض اتّساعا

ضلّ في اللّيل سراه، ومضى

لا يرى في أفق منه شعاعا

يجتوي اللاّفح من حرقته

وعذاب يشعل الرّوح التياعا

والأسى الخالد من ماضٍ عفا

والهوى الثّائر في قلب تداعى

فاجعل البحر أمانًا حوله

و املأ السّهل سلامًا واليفاعا

وامسح الآن على آلامه

بيد الرّفق التي تمحو الدّماعا

وقد الفلك إلى برّ الرّضى

وانشر الحبّ على الفلك شراعا