خصائص التميز في التلاوة المصرية

لم تكتسب المدرسة القرآنية المصرية مكانتها وانتشارها وشهرتها في أرجاء العالم إلا من خلال مميزات وخصائص، لم تجتمع لقراء قطر من أقطار العرب والمسلمين إلا لقراء مصر ومشايخها، وقد حددت هذه الخصائص معالم التلاوة المصرية الفريدة، وجعلت منها المدرسة الأكبر والأعمق تأثيرا بين المستمعين للقرآن الكريم في كل مكان.

ولعل أهم ما تميزت به التلاوة المصرية، الدقة الشديدة في تطبيق أحكام التجويد، ومراعاة مقادير المد والغن، والمساواة بين النظائر، وإحكام مخارج الحروف، واستيفاء ما لكل حرف من صفات، كالجهر والهمس، والشدة والرخاوة، والاستعلاء والاستفال، والانفتاح والانطباق، والقلقلة والصفير والتفشي، وغيرها.

وقد أكسبت هذه الدقة دولة التلاوة المصرية وقراءها ثقة كبيرة، وأصبح علماء القراءات المصريون خلال القرنين الماضيين المرجع الأول لبلاد الإسلام في كتابة المصاحف وضبطها وموافقة رسمها لقراءة البلد الذي تنتمي إليه، وفي العقود الأولى من القرن العشرين، كانت بعض البلاد العربية تراجع مصاحفها بمطابقتها بالنسخة التي اعتمدها لهم علامة القراءات الشيخ علي محمد الضباع، الذي بلغ في فنه وتآليفه مبلغا صار به قبلة ومقصدا لطلاب هذا العلم من كل مكان، بعد أن انتهت إليه رئاسة الإقراء في الديار المصرية وبلاد العرب جميعا.

ولا ريب أن الدقة في أحكام التجويد، ومراعاة حقها ومستحقها بلغت ذروة عالية في أول جمع صوتي للقرآن الكريم، أو ما يعرف بالمصحف المرتل، عند تسجيله بصوت الشيخ محمود خليل الحصري، عام 1961، وقد روى الأستاذ لبيب السعيد، صاحب فكرة الجمع الصوتي للقرآن، والمكلف بعد ذلك بتنفيذها، أنه بالرغم من علم وإجادة الشيخ الحصري، إلى درجة توليه مشيخة المقارئ في وقت لاحق، إلا أن اللجنة المشرفة على التسجيل كانت تستوقفه ليعيد بعض المقاطع على النحو النموذجي المستهدف، وكانت هذه اللجنة مكونة من عدد من كبار علماء القراءات، هم المشايخ عبد الفتاح القاضي، وعامر عثمان، وعبد العظيم الخياط، ومحمد سليمان صالح، ومحمود حافظ برانق.. والمهتمون بعلم القراءات يعرفون جيدا المكانة العلمية لهؤلاء العلماء المعدودين في الطبقة الأولى لأهل هذا الفن في القرن العشرين.

أما السمة الرئيسة الثانية للتلاوة المصرية، فهي التغني بالقرآن، وفقا لمقامات النغم العربية، وتوظيف الدراية الموسيقية لإخراج القرآن في أبهى صورة، تستروح به الأنفس، وتستريح له الآذان، وتدفع السآمة والملل عن المستمع، بل تنقله إلى حالة من الشغف والاستزادة.

ويستخدم القراء المصريون مجموعة من المقامات الشرقية على رأسها البياتي والصبا والحجاز والنهاوند والراست والسيكاه والعجم، وبصفة أقل يستخدمون مقام الكرد، كما إنهم يلونون تلاوتهم بمقامات فرعية، مثل الشورى والهزام والبستنكار والجهاركاه والعشاق المصري.

وفيما يشبه القاعدة المستقرة، يبدأ القراء المصريون تلاوتهم غالبا بمقام البياتي، وكذلك يختمون تلاوتهم بنفس المقام، وكان للشيخ مصطفى إسماعيل أثر كبير في ترسيخ هذه القاعدة النغمية، وكذلك ترسيخ قاعدة “التصاعدية” في التلاوة، إذ يحرص القراء المصريون دائما على بدء التلاوة من درجة خفيضة (قرار) ثم التصاعد التدريجي وصولا إلى (الجواب) ثم بلوغ درجة (جواب الجواب) وهي منطقة لا يستطيعها إلا أصحاب الأصوات القوية القادرة ذات المساحة الكبيرة التي لا تقل عن ديوانين موسيقيين كاملين (أوكتافين).

ومن مميزات التلاوات المصرية، استخدام القراءات المختلفة، سواء من السبع أو العشر، لاسيما في تلاوات المحافل والسرادقات، وفي هذا الاستخدام إحياء لقراءات متواترة ثابتة، دون الاقتصار على رواية حفص عن عاصم المنتشرة في أغلب بلاد العالم الإسلامي، أو قراءة نافع بروايتيه قالون وورش كما هو الحال في بلاد المغرب العربي.

وتذخر تسجيلات القراء المصريين بروايات متعددة، من أهما ورش عن نافع، وحمزة الكوفي، والسوسي عن أبي عمرو، والبزي عن ابن كثير، والكسائي الكوفي، وفي بعض التلاوات يكتفي القارئ بالانتقال إلى رواية أخرى واحدة، وأحيانا يستوفي المقرئ ما في الآية من قراءات، فيعيدها بعدد ما ورد فيها من قراءات.. ولا شك أن التلاوة بالقراءات المختلفة تجذب انتباه السامع، وتحفظ عمليا هذا العلم الكبير، من خلال ممارسته وإحيائه، وإلقائه على مسامع الجماهير، حتى لا يكون حبيس المعاهد العلمية وحكرا على المتخصصين.

كما أن النظام المشيخي القائم على الإجازة والإذن خلق حالة من الفرز لم تكن تفسح المجال إلا لأصحاب المواهب الحقيقية، من القراء المتمكنين علميا، القادرين صوتيا، وظل الحال هكذا لعقود قبل عصر الإذاعة، فلما أطلقت الحكومة المصرية إذاعتها عام 1934، استمر هذا الفرز، فلم يكن هناك مكان إلا للأصوات العبقرية، والمواهب الحقيقية، من خلال لجان صارمة لاختبار القراء، بعيدا عن أي شبهة للواسطة أو المحاباة.. وربما ظلت هذه الصرامة في انتقاء الأصوات حتى أواخر الستينات أو أوائل السبعينات.. قبل أن تبدأ مرحل التراجع التي وصلت إلى دركة مؤسفة.

ولكل هذه الأسباب، صارت التلاوة المصرية نبراسا يحتذى ويطلب، وتهافت العرب والمسلمون على دعوة كبار القراء المصريين، لإحياء المحافل والمناسبات، لاسيما في شهر رمضان، ولاقى القراء القادمون من مصر كل أشكال التكريم والتبجيل وحفاوة الاستقبال رسميا وشعبيا، وربما خرج بعضهم بعد تلاوته محمولا على الأعناق، ترجوه الجماهير أن يبقى ببلدهم أكبر فترة ممكنة، ولا شك أن مدرسة التلاوة المصرية مثلت معلما مهما من معالم قوة مصر الناعمة.