فى مولد ستنا فاطمة النبوية.. الكون حرف فى متون كتابكم

شاهدت دموع الملائكة تتحرك على جباههم فى سرعة بلا توقف.. وسُحب الدماء تتجمع بالسماء.. أيملك أصحاب الأجنحة مثنى وثلاث ورباع تغيير المقدّر.. وكلمة “العزيز”.

رأت فى منتصف شبابها صليل السيوف وتخاذل الفرسان وأوجه الشيطان المختلفة على وجوه عليها قترة.. تفوح من حناجرهم رائحة الكفرة الفجرة.
نظرت من تسمت باسم “زهراء الدنيا” أسفل أقدام أعداء آل البيت من يتكتلون لمحاربة أبوها.
من أبو-ها..

“الإمام الحسين” ابن “الكرّار” من اختصه الله بتكريم وجهه سيرة.. واختار ولادته داخل أسوار الكعبة المشرفة.

زحفت سحائب البلاء بطيئة ثقيلة على من تقف بجوار “سيد الشهداء” فى اليوم المكروب.. “كربلاء الباطل”.

أتهتز الأرض أسفل قدميها؟ لا، بل تحت خطوات الأعداء الفارين.

أرفعت حفيدة “السيدة الزهراء” .. ستنا فاطمة النبوية رأسها إلى السماء؟ لا، بل تهيأ المنظر بالأفق الأعلى وهبط إلى مرمى بصرها.. مبينا مقامه ومكانته.. نعم .. أترضين أيتها ” النبوية “، نعم، من تقفين جواره “سيد شباب أهل الجنة”.

لم تطرف عينها لم توجل بسطت كفيها وغطت وجهها المضىء.. وسمعها من حولها ترتقى بإيمانها: “اللهم لك الحمد عدد ما حفظه علمك وجرى به قلمك ونفذ به حكمك فى خلقك”.

اشتدت الضربات وتطايرت أغطية الرؤوس وصرخ التاريخ مرددا كلمات “القدير” : “إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى”..

هذا صوت ابن البتول يبعث صدقه من فى القبور..

القتال على المبدأ هو كينونة الإسلام.. المقاومة.. فعل الأشراف.. جمال الحرية وطعمها وعذوبتها الغالية.. وأصل الدين.. ولو تخاذل المتخاذلون.. ولو تباعد غيرهم.. لاتترك الموقف ولو وهبت حياتك ألف مرة شهيدا.. ثم تعود مقاتلا لرفع راية الحق المبين..

لايضيف لابنة بيت النبوة وصف.. ولا يوفيها قدرها لغة ولاكلام هى.. ابنة “الإمام الحسين” وكفى.. كانت معه لحظة استشهاده هو وأكثر أهل بيته وأبناؤه.. وتحركت مع “الأقمار الشامخة”.. عقب الفجيعة سربكاء المؤمنين إلى اليوم .. إلى قصر المأفون يزيد.. غرف هو من وسخ.. هو أهل له.. وتشدق بالقذر والشماتة والخسة.. أمام “الأقمار الشامخة”.. وأتباعه حولهم يرفعون السيوف.. ومن يصف مشهدا رفعته الملائكة كما هو إلى “القدوس” كما علمه.. للبت فيه يوم “الصاخّة” والمحشر العظيم..

tgfrear

دوّى صوت “زينبىّ” فى المكان.. ينقر من حينها فى أرجاء الدنيا.. وقرع قلوب أتباع يزيد الجوفاء..

هلل رنين الصدق عاليا أخّاذا.. أنزل المأفون حجمه وأخرسته.. أعطت السيدة زينب ابنة الإمام على ّ العلوم درسا..

زينت السماء بذكر فضائل بيت النبى.. سمعت النجوم الفضل.. هبطت النجوم تقبّل الأرض تحت قدميها وتركت دموعها تشفع وتتأسف وتترحم على الشهداء.

تحدث زين العباد السجاد، سيدى على زين العابدين.. أنزلت جرأته الأذرع مشهرة السيوف عليها دماء أكثر من 72 صحابيا.. خلاف “أقمار” آل بيت النبوة..

قالت السيدة فاطمة النبوية: أبنات رسول الله سبايا يايزيد؟! عرف الخجل طريقا إلى سليل معاوية.. أزمة تدوين التاريخ !

حاول السليل التودد بعدها.. مرتعبا مما ينتظره.. من مصير ظهرت بشائره.. حاول التودد وأدخلهم على أهله..

“الأقمار” رفعت الأمر إلى رب العزة هو “الحكم والقابض”..

تهكمت السيدة سكينة من أفاعيل يزيد “ما رأيت رجلا كافرا بالله.. خيرا من يزيد ابن معاوية” !..

عاد الموكب الكريم إلى مدينة جدهم الأطهر رسول الله.. ومرت الأيام حتى شرفت أرض مصر وتزين حىّ الدرب الأحمر بضريحها الأنور .. عاشت العظيمة حتى قاربت التسعين سنة وقيل إن وفاتها بين عامى 116 أو 118 من هجرة ” الشفيع . وكانت قد ولدت فى أوائل العقد الثالث من الهجرة بين ثلاث أخوات وستة إخوة من أبناء الإمام الحسين، فالذكور هم : على الأكبر، و على الأوسط وعلى الأصغر الملقب “بزين العابدين” ومحمد ، وعبد الله، وجعفر، والإناث هن: أم كلثوم وزينب وسكينة وفاطمة.. وقد توفى كل الذكور فى حياة أبيهم وأكثرهم قد استشهد فى كربلاء معه ولم يبق إلا الإمام زين العابدين وهو الذى جعلت فيه ذرية الإمام الحسين إلى عصرنا..

أنوار وأسرار مقامها ينوء القلم عن وصفه أو كتابته .. حضر الآلاف احتفالا بمولدها.. يكفيك أن تتحرك خلف مبنى مديرية أمن القاهرة.. وتسير.. لا .. لاتسير.. أُترك روحك تحملك إلى منطقة تحمل فى عبقها تاريخ التاريخ وعظمة الإبهار فى الحياة المصرية بكل ألوانها الفتية ..

هنا تعرف معنى كلمة “ولاد البلد “.. و” الرجولة “.. هنا سر النبع الأصيل لكل ما رواه الأبطال.. أنت تسير فى ذات الطرقات قد يخرج عليك الآن ” فتوة الكحكيين “.. محمود الحكيم “.. المدافع عن الضعفاء قاهر المخالفين.. أو “صبى من الغورية” يرشدك لمبتغاك.. قد يخرج عليك “جمال الغيطانى ” نفسه.. بصوته المحب الأثير.. الجوّ موح به لذّة الرضا وأصوات بهجة الحياة وفرحة الأطفال الآسرة.. فى المولد صفحات القاهرة الفاطمية الخالدة والأزهر تتقلب أمام ناظريك بلا عناء.. هنا أقدم كنيسة عرفتها مصر وقيل أنها أقدم من مارى جرجس بمصر القديمة.. وليس قولا من السائرين هنا فى الاحتفال بمولد “النبوية” وإنما يفتخر الأهالى بها.. يقرأ روادها الفاتحة يوميا ويلقون التحية والسلام ودّا وحبّا على ” النبوية “.. ألم يُشف المريض بالدعاء هناك ألم تكف الشموع فك الكُرب ألم يهتدى الزوج المشاكس والزوجة المعاندة والابن العاق..

بركة فاطمة النبوية تسمع الحكايات شذاها فوّاح يسلب الألباب.. ووصفه عجيب.. وتحلق على رأسك الأصوات من كل الأعمار تروى تجربة ذاتية مازالت حروفها لم تغادر.. فوق أحجارعشرات المقامات والخلوات التى سكنها الأهالى تبركا وبإذن عبر رؤيا يستحقها رآئيها ..

rfwed

هنا قبة وتكية ومسجد سبيل الكُلشنى .. والجوينى وهو من هو ” إمام الحرمين ” ..هنا مسجد المؤيد شيخ أروع باب مسجد سامق وقعته العبقرية المصرية منذ عهود بدأت العبقرية فى المكان من وإلى وعن “فاطمة النبوية” النّور المشع من فى المكان يصحو الجميع وينام به ..
فى جوار ” النبوية ” ويمينا ويسارا وعبر الدروب المتموجة فى حب أشبه بعباءة دثرتك بها جدتك قبل النوم .. تدور روحك مع التلافيف ..فى حضن دافىء لاتدرى سر حنانه .. لا الوصف ينجد ويكفى شىء خلاف الزيارة ..

هنا ” الخيامية ” .. وما أدراك عن الصنعة ” الإعجاز” وكتم النفس لئلا ترتعش ” الخيوط ببركة ..” النبوية ” ويحلو العمل بعد قراءة الفاتحة هناك فجرا.. وما أدراك عن المهنة عالية القيمة غالية الأثر فى نفوس مقتنيها .. هنا يصنع “مركوب ” الوضوء الخشبىّ منذ قرون حتى الساعة “القبقاب” .. تدور فى ناظريك النحاس بلونيه الأصفر والأحمر قرين الذهب وصديق الفضة المتألقة .. الأحجار الكريمة فى مولد جميع الأشغال اليدوية من النحاس بلونيه الأصفر والأحمر قرين الذهب وكساءه والفضة أيضا ..جميع مراحل تصنيع الأحذية ..

هذه البقعة هى التى نُقل منها الصناع والمهرة إلى الآستانة واسطنبول لكتابة تاريخ الزخارف والفن ..واهداءه لعيون وفكر المشاهدين فى العالم بأنامل مصرية من جوار “فاطمة النبوية ” ..وقل أنت وببركتها والفواتح لها قبل الرحيل وبعد العودة .. هؤلاء أحفادهم اليوم من يتزن أطفالهم ويلبسون الجديد فاليوم عيد مولد ” ستنا فاطمة النبوية ” .

يقابل مسجدها مقام شديد الخصوصية أبيض اللون يكسوه خضرة متميزة .. زين معماره الحب والدفء يكفى المزار لشخصين فقط على الأكثر لاتهدأ الفواتح ..ولاتصمت الأدعية أمامه وحوله ..إنه سيدى عبد الله القرشى الدّسوقى ..شقيق سيدي إبراهيم القرشي الدسوقي.. أبا العينين عونا ظاهرا وعونا باطنا… بحر الورود والبركات ..عروس المملكة ولسان الحضرات.. حفيد الإمام الحسين .

احتفالا بمولدها صنعت الأمهات والفتيات والرجال أيضا ..النفحات ولتفريقها على الزائرين .. وإياك أن ترفض أو تتمنع فالبسمة والترحاب يعبس منطويا فى سرعة أتريد أن تحرمهم من الثواب والتواصل مع ” حبيبتهم ” ..شباب الدرب الأحمر جيران ” النبوية ” بأشهر حارة فى مصر .. حارة الروم ..ينفق الشباب هنا .. طوال العام ..الأموال فى سبيل الحب الحقيقى ..وإرضاء الله وتقربا إلى آل بيت النبوة ..فى مولدها” العنّاب” المثلج مقرونا بالقرفة بالحليب والشاى طوال 24 ساعة من الفجر إلى الفجر ..الأكواب تلاحقك وراء خطواتك ..

تختلط أصوات الحياة هنا ..انت فى المولد إلا أن الوضوح والانتباه والتناغم كان مع منشد السموات ” أمين الدشناوى ” وهو يصدح : ” الكون حرف فى متون كتابكم .. والانتساب إليك دليلا.. الروح أنت والوجود .. لولا شعاعك قد نراه عليلا .. ويرد عليه السامعين ..”نبوية ” .. ” نبوية “.. وتتمايل الأبنية والأحجار وتدنو السموات وتعود مستقرها .. يحق لها أن ترقص مع أبيات المديح وأن تحتفى “بالنبوية ” .

سألت أحد الشباب المتحمس فى حذر وصوته يتناغم مع الذكر .. أهذا هو الحب .. فرفع صوته من جديد مبتسما : ” ياسيدى .. الكون حرف فى متون كتابكم ” .