زكريا أحمد.. شيخ الملحنين

في مثل هذا اليوم من عام 1896 ولد شيخ الملحنين زكريا أحمد، من أب مصري حافظ للقرآن وأم من أصل تركي.

لعب الشيخ زكريا دورًا كبيرًا في إثراء تراثنا الموسيقي بـ 1070 لحنًا، غنى بعضها بصوته. إلا أن أفضلها ما قدمه لكوكب الشرق أم كلثوم من ألحان ما زالت عالقة في أذهاننا حتى اليوم.

وكعادة ذلك الزمن دخل الشيخ زكريا الكُتَّاب، فحفظ القرآن ثم التحق بالأزهر الشريف، لكن عشقه للموسيقى كان دائمًا ما يطغى عليه، خصوصًا مع امتلاكه لصوت مميز؛ فعمل قارئًا ومنشدًا، بعد أن اكتشف موهبته الشيخ درويش الحريري، والذي ألحقه ببطانة الشيخ علي محمود، فتعلم منه الكثير عن الإنشاد والغناء والموسيقى، وتنبأ له الشيخ علي محمود بمستقبل باهر، وهو ماحدث بالفعل.

اقتنى الشيخ زكريا كتبًا في الموسيقى والغناء، ولأن والده كان رافضًا لعمل ابنه في هذا المجال، اضطر لإخفاء هذه الكتب بين كتبه العلمية، لكن سرعان ما اكتشف الأب الحقيقة، فعنفه بشدة، فلم يجد الابن أمامه سوى الهروب من البيت؛ ليبدأ طريقه الموسيقي.

كان عام 1919 انطلاقة الشيخ زكريا الموسيقية، على يد الثنائي الشيخ علي محمود والشيخ الحريري اللذين قدماه إلى إحدى شركات الأسطوانات، ومنها سلك طريقه إلى المسرح الغنائي، الذي لحن له أكثر من 500 لحن لـ 65 مسرحية كانت لكبار نجوم المسرح في ذلك العصر، ومنهم نجيب الريحاني وعلي الكسار وزكي عكاشة ومنيرة المهدية.

تعتبر ألحان زكريا أحمد امتدادًا طبيعيًّا لألحان سيد درويش؛ لأنه تتبع أثره في التلحين، وارتبط دائمًا بالألحان الشرقية المملوءة بالصور الشعبية والأصالة، ولعب دورًا كبيرًا في الارتقاء بفن “الطقطوقة”.

حتى كانت الفترة الذهبية لزكريا أحمد مع كوكب الشرق أم كلثوم، والتي بدأها عام 1931، حيث لحن لها تسعة أدوار، أولها “هو ده يخلص من الله” في عام 1931، حتى دور “عادت ليالى الهنا” سنة 1939، إضافة إلى تلحينه عدة أغانٍ في أفلامها، مثل الورد جميل، وغني لى شوي شوي، وساجعات الطيور، وقولي لطيفك، وأغاني الآهات، وأنا في انتظارك، والأمل، وحبييي يسعد أوقاته، وأهل الهوى، وحلم، حتى دب الخلاف بينهما، وانقطعت العلاقة من عام 1947 حتى 1960.

ونشب الخلاف بينهما بسبب مطالبة الشيخ زكريا الإذاعة المصرية بمستحقاته من طبع ألحانه على أسطوانات أم كلثوم، لكن الأخيرة عارضت الأمر، وأكدت أنها تمتلك تنازلًا كتابيًّا منه على هذه الألحان، الأمر الذي دفعهما إلى الالتجاء لساحات القضاء، واستمرت القضية 13 عامًا، حتى تمكن أحد القضاة من الإصلاح بينهما، وعاد الشيخ زكريا ليضيف إلى قائمة ألحانه العبقرية بصوت أم كلثوم أغنية “هو صحيح الهوى غلاب”، تلك الأغنية التي كانت خير ختام لتعامله مع كوكب الشرق ولحياته، حيث رحل عن عالمنا في 14 فبراير 1964 عن عمر يناهز الـ 65 عامًا.