يعمل إيه الموبايل في وطن ضايع؟!

(1)
تبخر الموبايل في معادلة كيميائية عجيبة، تحير الألباب وتدعو إلى الارتياب، ولما حكيت ما حدث مستفسراً ومندهشاً، علقت صديقتي العزيزة الدكتور عبلة البرشومي العالمة والأديبة المقيمة في باريس، لتحذرني من جنون الارتياب، الذي وقع فيه مثقفون معارضون قبلي، وانتهت حياتهم بمأساة، لعل أقربهم إلى الذاكرة الراحل الغالي نجيب سرور، ومن هذا المقال أحب أن أطمئن الصديقة العزيزة: ماتخافيش يا دكتورة.. الأمر بالنسبة لي مختلف، لأنني مجنون أصلا، وناوي أجنن الأمم المتحدة كلها 😁

(2)
دعونا من الموبايل يا أصدقاء، وتعالوا نناقش القصة نفسها بجدية، مع ملاحظة أن الجدية لا تعني جفاف اللفظ وكآبة الأسلوب وثقل الدم، فعمرنا أثمن من أن نضيعه في الرخامة والملامة، حتى لو كنا نشعر بنوع من الوساوس والشكوك تجاه الأجهزة الأمنية التي تتبجح بتشريعات تبيح التصنت علينا ومراقبتنا، ويفلت مجرموها من الحساب على جرائم تعذيبنا حتى الموت، أو تسليمنا للكوفيات المتوحشة، ونحن أمانات لديهم في مقار الاحتجاز، فديكارت لم يكن مجنونا عندما قال بلا خجل للعالم كله: “أنا أشك إذن أنا موجود”، لذلك نصحت في نهاية مقالي السابق بعدم الخجل من الشك، مع التمييز بين الشك المنهجي الذي يحمي من الوقوع في الحمى، و”يدرأ الشبهات”، والشك المرض العبثي الذي يؤدي إلى الجنون وربما الانتحار.

(3)

أقيم منذ فترة في مكان شبه منعزل، صغير ومغلق بأسوار وبحر، وليس فيه إلا إدارته، وعدد قليل من نزلاء فندق داخلي، العلاقة بيني وبين الإدارة والعاملين علاقة أهل وأصدقاء لها تاريخ من الثقة والأمانة الشديدة، وكثيرا ما كنت أترك المكان مفتوحا ليساعدوني في أعمال التنظيف والصيانة، ليلة الأحد الماضي لاحظت بعض التصرفات المريبة.. أصوات أقدام في الحديقة.. محاولة لفتح “السلك” المانع للحشرات، وجهت كشاف نور نحو الجنينة وزعقت: مين؟، ونظرت من خلف الزجاج لم أجد أحدا، لكن وجدت الزجاج مسحوباً بمقدار “ِشبر”، شعرت برعشة خوف نادراً ما أشعر بها، فتعمدت أن أطمئن نفسي واعتبرت أن ما سمعته هو صوت ناتج عن تحريك الهواء لستارة “البلاك آوت” واحتكاكها بالسلك، كنت أنام كل يوم منذ قدومي بين التاسعة والعاشرة مساء، لكنني في ذلك اليوم سهرت لأول مرة منذ قدومي حتى منتصف الليل، حيث لاحظت ما حدث وانتابتني قشعريرة الخوف العابرة لأول مرة منذ سنوات طويلة!

(4)
في الليلة التالية سهرت أكثر، كنت أشعر ببعض الملل، وأتأمل أحوال وأفعال “الدولة المارقة” بعد حوار إنساني مليء بالشجن وحب مصر مع العزيزة ليليان داود، وبعد ساعة تقريبا من التأملات كتبت ساخراً على “فيس بوك” و”تويتر”: “تصبحوا على خير.. (منقول)” وأغلقت الموبايل، ووضعته على “ترابيزة” صغيرة بجواري، وشعرت برغبة في النوم مكاني على “الكنبة” فسحبت البطانية ونمت. كانت الساعة 2.30 قبل الفجر، وبعد ساعتين تقريبا شعرت بالبرد، فصعدت إلى الدور الثاني للنوم في السرير، ولما استيقظت في التاسعة والنصف، للتريض، اتجهت لمكان الموبايل لفتحه ووضعه في جيبي، لأنه رفيق المشي الذي يخطرني بالوقت وعدد الخطوات، وعدد السعرات المحروقة، لكنني لم أجد الموبايل!.

(5)
ضاع اليوم في البحث بمعاونة إدارة المكان، نقلوا كل شيء من مكانه، وفتشوا كل الأماكن المحتملة حتى أكياس القمامة، وهذا هو فعل “التبخر” الذي بدأت به المقال، لقد بدات بالشك في نفسي: يمكن نسيت وخرجت به الحديقة!، يمكن لما صحيت نقلته من مكانه وانشغلت في إعداد مشروب الكمون الصباحي!، يمكن.. يمكن، لكن كل هذه “اليمكنات” لم تؤد إلى شيء في حادثة “تبخر الموبايل”، حينذاك خطر على بالي فكرة “الرسالة الأمنية”، وعندها شعرت برغبة في الاعتذار لذاكرتي، ولكل العاملين في القرية، الذين انزعجوا جداً وأسرفوا في الأسف، خشية أن يكسر هذا الحادث إحساسي بالأمان والثقة تجاههم😣.

(6)
لكن هل سيناريو الاختراق الأمني منطقي ومحتمل، أم أنه مجرد شك أعمى يعبر عن بوادر عقدة إحساس كامن بالاضطهاد، وشعور مرضي بالوسواس القهري، وأن هناك أجهزة تترصدني؟😏

(7)
كل هذا الكلام واضح في ذهني منذ سنوات، فقد تربيت لفترة طويلة في شباب على تقاليد التأمين في تنظيمات سياسية سرية، وأعرف جيدا حدود “الوعي الأمني المطلوب من الفرد” ومنزلق الشك والارتياب الأمني المعطل للحياة، ولذلك فإن دراسة كل ملاحظة من منطلق سد ثغرات التأمين، هي ملاحظة مفيدة، ومطلوبة بشدة، خاصة مع دولة يتفشى فيها اختراق الأجهزة الأمنية للحياة الخاصة، واستخدامها لذلك ببجاحة حتى في الإعلام الرسمي، ولعل تسريبات خالد يوسف، وعلاء عبد العزيز، ويوسف الحسيني، مجرد أدلة عن هوس هذه الأجهزة بالحصول على أي معلومات خاصة مخزنة في الحاسبات الشخصية وأجهزة الموبايل والبريد الإليكتروني، وقد اكتشفت بعد ساعات اختفاء “فلاش” كانت داخل جيب حقيبة يد صغيرة، لم يضع منها شيء آخر (غير الفلاش) التي كانت تتضمن بعض الأفلام السينمائية والصور العادية.

(8)
أهملت الموضوع بعد يوم من الحيرة والتفكير المزعج، فقد اعتبرت أنني المخطيء، وقلت لنفسي: رب ضارة نافعة، لأنني اكتشفت تهاوني في تأمين نفسي مع أجهزة غبية لا تفهم ولا ترحم، وسواء كان الحادث من تدبيرها أو مجرد “اختفاء كيميائي” كما حدث مع رضا هلال، أو الحاكم بأمر الله، أو حالات الاختفاء القسري، فالحمد لله انها “جت في الموبايل”، المهم عندي أن الرسالة قد وصلت، وأنني لابد أن أواصل الشك في أجهزة تستحق الشك، وأواصل تأمين نفسي في “شبه دولة” تساومنا على الأمن، وتروعنا بالإرهاب وبالفضح، وتسعى للهيمنة علينا بوسائل الكونترول الحقيرة، لكن شكوكي لن تتحول إلى وسواس قهري، ومحاولات السيطرة بالفضائح لن تنفع معي، لأني حياتي ليس فيها ما يخجلني، واثق تماما أن المخجل هو الفجور الذي يملأ الشاشات والصفحات الأولى من جرائدهم عيانا بياناً، المخجل هو الفساد وسرقة المال العام، والتفريط في الأرض، والمتاجرة بحياة أمة، ولهذا فإن القصة باختصار ليست قصة “اختفاء موبايل”، بل قصة ضياع وطن.. وكما قال طبيب الفلاسفة (بتصرف): يعمل إيه موبايل في وطن ضايع؟!😄

جمال الجمل

[email protected]