وطنية فاطنة كشري.. إلبس ياريس*

(1)
أراد السلطان الدموي في مملكة “سيكوستان” أن يهزأ برعيته، ويهيء لنفسه فرصة جديدة لقطع المزيد من الرقاب، والتخلص (بالحيلة) من بعض الفاسدين الطماعين من حاشيته، فقد صاروا يسرقون حتى من المنهوبات التي يضع عينه عليها، وبعد كام منام أوحت له مزولة الأوميجا بالفكرة التي أعجبته، فطلب وزيره الداهية، وعرض عليه الخطة الخبيثة:

(2)
شوف يا وزير، أنا وصلتني تقارير ان الشعب مش مبسوط من الفرمانات السابقة إنه يسكت خالص ويسمع كلامي وبس، الناس مضغوطة وحاسة بالكبت، ومابقاش عاجبها “المكلمات السلطانية”، ومش طايقين مهلة الصبر.. لا شهرين، ولا 6 شهور، وبعبقريتي كده حاسس اننا لازم نسيطر على “المكلمات الشعبية” ونعمل منها حاجة كويسة للتنفيث، وبناء عليه قررت تنظيم مؤتمر عظيم للكلام في “شرم الكاهن”، ونعمل مسابقة بجوائز مغرية.

(3)
سأل الوزير: وإيه هي المسابقة يا مولاي؟، قال السلطان وهو يقهقه بصوت فخيم: المسابقة بسيطة وسهلة والشعب هيحبها خالص، باختصار: كل متسابق يملا 3 أكياس بالكلام، والفائز يبقى “بتاع”.. ينضم للعباسيين، ننضفه ونلبسه ونعمل منه مذيع مشهور في قناة دي إم سيكو d.m.c_co.

(4)
ابتسم الوزير بخبث، وقال للسلطان: بس كده يا مولاي السلطنة كلها هتشارك، ومش هنخلص.. دي ناس محرومة كلام. قال السلطان: دي حاجة ماتفوتش على حكيم الحكما.. عشان كده حطيت شرط جزائي.. اللي هيخسر هنقطع رقبته بالكرافتة، أو نكتفي بقطع لسانه إذا كان يستحق الرأفة… ياللا يا وزيري.. روح بشر الشعب ان عهد الصمت انتهى، وخليهم يستعدوا للكلام.

(5)
بعد أن أعلن الوزير عن المسابقة، تقدم الكثير من المشتاقين، والطماعين، والمكبوتين الراغبين في التعبير والفضفضة، والفقراء المعدمين الحالمين بضربة حظ تنتشلهم من فقرهم، وغرقت السلطنة في الثرثرة والكلام، الكل يتدرب على الهراء، والرغي بدون توقف، لعله يفوز بالجائزة السلطانية الكبرى، ومع أول أيام المسابقة طارت رؤوس كثيرة، وتقطعت ألسنة، لكن الناس لم تتوقف عن الكلام في المسابقة، وخارجها أيضاً.. صارت “سيكوستان” هي سلطنة الكلام الفارغ، وفي اليوم الثالث تقدمت للمسابقة سيدة فقيرة تدعى “فاطنة كشري”.

(6)
ذات يوم سابق، كانت فاطنة تتفرج على التليفزيون السيكوستاني فشاهدت السلطان يفتح سحارة الحظ السعيد، ويغرف منها حفنة من الهدايا يمنحها لفقيرة مثلها تجر عربة بضائع، ولا تملك من حطام الدنيا شيئا، لكنها بين يوم وليلة صارت حديث الإعلام السيكوستاني، وصار لديها سيارة حمراء، ومسكن صغير وجميل مثل بيوت الحواديت، لذلك لما سمعت فاطنة عن مسابقة الكلام، تشجعت وتقدمت لعلها تنال حظ زميلتها الفقيرة وتسعد بلقاء السلطان وتغرف من سحارة الحظ السعيد، وبعد أن جاء دور فاطنة في المسابقة شعرت ببعض الارتباك حتى سمعت صوت الوزير يصيح لحاجب المسابقة: افتح الكيس الأول. فهتفت “تحيا سيكوستان” 3 مرات وانطلقت في الكلام.

(7)
بدأت فاطنة بالكلام عن الحياة في الأحياء الفقيرة، لكن الكيس ظل فارغا، والسلطان يضحك هازئاً، فتحدثت عن الأمل في الرخاء على يد السلطان الحاني، وطلبت نظرة للأمن وظروف المعيشة، لكن الكيس ظل فارغا والوزير يتعجلها بزجر وتهديد، فشعرت فاطنة بالقلق وقالت: يحيا السلطان.. أنا بحب مولانا وشاركت في المسابقة عشان أقول له خللي بالك من الغلابة، وابعت حد من اللي وراك يشوفنا عايشين إزاي، لكن الكيس ظل فارغاً والوزير ينظر للجلاد الممسك بالكوفية كأنه يوشك أن يأمره بأخذ فاطنة، فحاولت إظهار وطنيتها، واستلهمت طريقة “ماكرم محمر أحمر” في الخطب الحماسية التي تعجب السلطان فقالت: أنا كنت جاية عشان أقول إني بحب مولانا السلطان، احنا محتاجينه.. وعشان كده عاوزه أنصحه يخللي باله من السقعة، ويلبس كلاسين تحت البناطيل!

(8)
شعر الوزير بالفزع.. ونظر ناحية السلطان فوجد مزاجه قد تغير: (هي وصلت لكلاسين جلالته يا شعب!)، وسارع بإنهاء الموقف المحرج قائلاً: خلاص خلاص.. الكيس الأولاني اتملا، لكن للأسف انتهى وقت المسابقة النهارده، وبكره نستكمل الباقي.. فركش

(9)
باتت السلطنة ليلتها تتحدث فيما قالته فاطنة كشري، واستوعب الناس الفرق بين “الكلام الفارغ” الذي أطاح بكثير من الرؤوس والألسنة، و”الكلام المليان” الذي يملأ أكياس السلطان، ويربك حاشيته، ووصلت التقارير للديوان السلطاني أن الناس فهمت “الفولة”، وأن المتسابقين في اليوم التالي استعدوا بكثير من الكلام المليان.. بعضهم سيتحدث عن تنازل السلطان عن أرض “فيران وعصافير” والأسباب الخفية وراء ذلك، وبعضهم سيتحدث عن خداع السلطان لشعبه بإقامة “مشاريع بوتميكين الوهمية”، وبعضهم سينسج حديثه على منوال الكلاسين، ويتوسع في سيرة الشؤون الداخلية للأجهزة، وصراعات الحاشية، وأسرار الرؤوس الطائرة، وبعضهم سيتحدث عن الظلم والفقر والسجون والغلاء الفاحش، وقد كان ذلك كله كفيلا بأن يعدل السلطان عن خطته ويلغي المسابقة.

(10)
وبالفعل.. قبل موعد استئناف المسابقة بساعات قليلة، خرج المنادي “موستافا باكري” إلى شوارع السلطنة ينادي بتأجيل المسابقة لأجل غير مسمى، لأن هناك حاجة إلى مشاورات مع الأطراف المعنية، لمواجهة المؤامرة الدولية، وضرورة عرض المسابقة على الرقابة الإدارية، مع الالتزام بالوعود السلطانية،… وهكذا عادت السلطنة تحت سيطرة الصمت والكبت أو”الكلام الفارغ” أيهما أسلم… فلا مكان في سيكوستان للكلام المليان.

………………………………………………………………………………………………
* مما يروى عن شعراء ذلك الزمان، أن العلامة ماجد بن عاطفيان قال قولته المأثورة: وإني لست مصدقاً أنني عشت حتى اليوم الذي شوفت فيه مواطنة سيكوستانية غلبانة تظهر على الهواء في التليفزيون السيكوستاني وتقول للسلطان: “إلبس كالسون”

جمال الجمل
[email protected]