قراءة في كتاب: سيكولوجية الصراع السياسي .. نقد آليات التشويه والاستقطاب

بعد مرور ست سنوات على ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ وفي ظل أوضاع سياسية واقتصادية واجتماعية قاسية وشديدة القتامة والتعقيد، نبدو في أحوج ما نكون لإعادة النظر لمسيرة الثورة وما تلاها من أحداث وتطورات بعين ناقدة ومنهجية علمية ورؤية عملية بعيدًاعن الوقوع في فخ النوستالجيا أو جلد الذات، في هذا السياق تأتي أهمية كتاب “سيكولوجية الصراع السياسي .. نقد آليات التشويه والاستقطاب” للدكتور حاتم الجوهري الصادر حديثًا عن دار العين.

يفتتح الجوهري كتابه بإهداء للثوار والحالميين ودعاة التغيير أينما كانوا “ليس عن الحاضر، وليس عن المستقبل، إنما عن شق الطريق من هنا إلى هناك، إلى الأرواح الطيبة الحالمة، هذه بعض علامات الطريق صقلتها التجربة، والبحث في طريق العلم والحياة”، مشيرًا إلى أن هذه الدراسة تأتي بعد إزاحة عدة أنظمة سياسية بطرق لم يعتدها المشهد المصرى، اعتمدت غالبا على خلق استقطاب حدى يقسم المجتمع إلى كتلتين إما مع أو ضد! ولا يترك مساحة لرأى ثالث حتى ولو كان أقرب للتغيير ولفكرة الثورة، “وعادة ما يكون الاستقطاب المعلن منذ اندلاع الثورة المصرية 2011م حول أحد مستويات الهوية الإنسانية الكبرى: الدين، الوطنية، الانتماءات السياسية، إلخ. لتستمر دوامة انتقال البلاد وإشغالها من “استقطاب” إلى “استقطاب” جديد، دون مواجهة لمشاكل البلاد الحقيقية”.

يحتوي الكتاب على سبعة فصول هى ” ثمان مسائل فى الحالة البشرية تدفع للصراع، وعن السياسى الانتهازى، وفى وصف الاستقطاب وآلياته، وفى وصف الشخصية المستقطبة سياسيًا، وعملية التشويه وأدواتها، وفي وصف حركة السياسى الانتهازى فى الحركة الشعبية، والثورة بين التشويه والاستقطاب”.

تجمع فصول الكتاب بين “علم السياسة” و”علم النفس”، وترصد العلاقة والتدافع البشرى وآلياته فى المجتمع، بين الانتهازيين دعاة تغليب المصلحة الشخصية والفردية، وبين الموضوعيين أو دعاة المصلحة الجماعية وتغليب المعايير العادلة.

يعتمد الكاتب في بحثه على المنهج الاستقرائى القائم على الوصف والتحليل والاستنتاج الذى يبدأ بالجزئيات وملاحظتها ورصد تفاصيلها ووصفها ومتابعتها والاهتمام بها وتسجيلها ودراستها، ليصل تدريجيا إلى النتائج، وفي هذا السياق يقول الكاتب “تنشأ لدى الشعوب التى تتعرض للقهر والاستبداد لفترات ممتدة من الزمن؛ منظومة قيم سلوكية وسيكولوجية تقوم على التكيف والانتهازية، والتنميط الإنسانى والاتباع والتقليد لـ “النمط السائد” أيا كان هذا النمط وشكله، وتحضر الفردية و”المصلحة الشخصية” والانتهازية وتغيب الجماعة والاهتمام بـ”المصلحة العامة” والمعايير الموضوعية، ويكتسب الفرد لامبالاة شديدة تجاه المصلحة العامة وفكرة الأخلاق والمثل العليا والمعايير الموضوعية والعلمية”.

النظرية والتنظيم
في الفصل الأول من الكتاب يقدم الجوهري قراءة، وتحليل لمجموعة من الأفكار والسلوكيات والانحيازات الحاكمة للحراك المجتمعي ويلخصها في ثمان نقاط، يتمحور حولها الصراع السياسي والاجتماعي وهى “الإمكانيات والتطلعات، والتنظيم السياسى ومعيار الفرز والانتقاء، والنظرية والتنظيم، وجدل الثورية والإصلاحية، والسياسة والحزبية، وبين حملة الدعوة والمؤيدين للدعوة، وتحول المبادئ والمثل لبدائل سياسية، واستدعاء مستويات الهوية الإنسانية”.

مشيرًا إلى مجموعة من الإشكاليات المتجذرة في العمل السياسي المصري منذ سبعنيات القرن الماضي حين قرر الرئيس السادات عودة الأحزاب (المنابر) السياسية، ومن أبرز هذه الإشكاليات أولًا تكيف وتماهي الأحزاب مع السلطة الحاكمة، حتى المعارضة منها لم تكن معبرة بصدق عن أزمات المجتمع وتطلعاته، بل كانت تتحرك في الهامش الذي تركه لها النظام قابله بقواعده السياسية والاستبدادية وبالتالي فقد حاول المجتمع إنتاج تجمعات وحركات شعبية بديلة للأحزاب السياسية، ثانيا علاقة النظرية بالتنظيم فالعمل السياسي يقوم على مزيج بين الأفكار الأيديولوجية من جهة، والعمل التنظيمي من جهة أخرى ويشير الجوهري إلى أن العمل السياسي في مصر يعاني من صراع بين هذين المكونين اللذين من المفترض أن يتكاملا حيث يسعى كل طرف لفرض هيمنته على الآخر، وينتج عن هذا الصراع نمطان من الشخصيات المنتشرة بصورة كبيرة في الحياة السياسية في مصر وهما الشخصية البارانوية بكل ما تحمله من شك وتوجس وإحساس مفرط بالتعرض للاضطهاد والمؤامرة، والشخصية النرجسية بكل ما تحمله من أنانية وتعالي وغرور وادعاء للمعرفة.

الاستقطاب والتشويه
في الفصول التالية يشير الجوهري لواحدة من أبرز الآليات التي يتبعها النظام السلطوي في تعامله مع القوى السياسية، وهى ثنائية ” الاستقطاب والتشويه”، فالأولى تقوم على تقديم مجموعة من المصالح والمكتسبات الشخصية لمجموعة من الشخصيات الثورية من أجل استقطابها وجعلها داعم للنظام، والثانية تعتمد على التشويه النفسي والمعنوي للشخصيات الثورية التي لم يستطع النظام شرائها، فيعمل على تدميرها معنويًا وماديًا عن طريق الإشاعات وتلفيق التهم والقضايا وغيرها من الآليات والأساليب التي عايشناها على مدار السنوات الماضية وفي هذا السياق يقول الكاتب “كيف يتفوق الأقل موهبة على الأكثر موهبة في ظل ظروف عادلة؟، عند هذه اللحظة سينشأ الصراع الإنساني الأشد خطورة حتي الآن؛ وهو آليات التشويه والاستقطاب وقدرة الانتهازي علي خلق حالة جماعية ومفتعلة وظروف ضاغطة، تجعل الشخص الموضوعي ينهزم أو ينسحب!”

ويطرح الكاتب مجموعة من النقاط الأساسية التي يمكن من خلالها للقوى الثورية مواجهة محاولات التشويه المعنوي، وهى أولًا تجاهل حملات التشويه ، ثانيًا تحديد أهدافها جيدًا والإستمرار في العمل عليها بكل قوة ويقين، ثالثًا عدم التورط في مواقف سجالية مع ممثلي النظام لآنها تهدر طاقتها وتخلق حالة من التشويش وتجعل القوى الثورية فى موضع رد الفعل، رابعًا الحسم والاقتصاب والهدوء في التعبيرعن مواقفها السياسية والاجتماعية، خامسًا المبادرة والثبات على المبادىء الرئيسية وعدم الإنجراف والتسرع في الحصول على مكاسب سياسية على حساب مواقفها الأخلاقية، سادسًا تبني سياسة الخطة المضادة وهى مرحلة أخيرة واستثائية يتم التحول لموقف رد الفعل عن طريق وضع خطة للرد على التشويه والكذب ويراعي عدم الدخول في صدام مباشر مع مروجي الإشاعات، والاكتفاء بتصحيح الأفكار المغلوطة واكتساب مزيدًا من الأرض بعيدًا عن دوائر السلطة الانتهازية ليتم في النهاية حصار السلطة ورجالها داخل دائرة صغيرة وغير قادرة على النفاذ للكتلة المجتمعية الأكبر.

المستقبل
في خاتمة الكتاب يشير الكاتب إلى أنه رغم كل ما نعيشه من ظروف قاسية إلا أن هناك حالة من الوعي المجتمعي المتنامي والتغيير المستمر في بنية المجتمع الساعي نحو التحرر، مؤكدًا على أن ” أزمة المجتمع المقهور والمتكيف والمستبد به حقيقة، هو نجاح الاستبداد فى الترسيخ لفكرة التنميط وتشويه المغاير، والتأكيد على فكرة التشوه النفسى و”تصدير القهر” للغير، وصنع أنماط اجتماعية منتجة للتشوه، أهمها فكرة تمييع القيم فى حد ذاتها ومحاولة المساواة بين معيار الحق والعدل ومعيار الباطل والهوى، والتأكيد على الوجود الفردى فقط والمصلحة الشخصية غير المعيارية فى علاقتها مع الجماعة وأهدافها”.

موضحًا أن هناك مجموعة من المراحل التي يمر بها الفرد والمجتمع في رحلة تحرره ومن أبرز هذه المراحل أولًا إكتشاف الذات، عند طريق التحررمن منظومة قيم القهر والتكيف والانتهازية، وهنا يبدأ الإنسان في التعرف على ميولها وطبائعها التى كانت مكبوتة ومُنمطة، وثانيًا الإنتقال إلى مرحلة “الموضوعية” أو “المعيارية” عبر التعامل مع الذات فى ظل علاقتها بمنظومة المجتمع الجديد ووفق قدراتها الحقيقية والواقعية، من خلال الإنتقال من رؤية الذات باعتبارها محورا للحدث والوجود، إلى تبني منظومة قيم أشمل تقوم على العدل والحرية والمساواة، وثالثًا العمل على تطبيق هذه المنظومة الأخلاقية والمعرفية في المجتمع عبر تكوين مجموعات ضغط وأحزاب سياسية تعبر عن هذه الأفكار والمبادىء.

وفي هذا السياق يقول الكاتب “هناك أوقات حاسمة فى حياة الشعوب؛ تكون فيها الظروف مواتية لتغيير منظومة القيم التاريخية التى تحكمها، ويحدث الصدام والتدافع بين منظومة القيم القديمة المشوهة، ومنظومة القيم الجديدة الآملة والحالمة، وفى البداية سيكون الانتصار المرحلى لصالح منظومة القيم القديمة، بما تملكه من خبرات وحيل ملتوية تمارسها بكل حنكة، وسيقع فى حبالها بعض دعاة منظومة القيم الجديدة لأنهم يفترضون حسن النية والبراءة”، مشيرًا إلى أن لحظة التحول التاريخية فى الصدام بين المنظومتين القيميتين، ستكون عندما يمتلك دعاة منظومة القيم الجديدة الخبرة والمهارة والقدرة على التنظيم بالإضافة للإخلاص والمعرفة المتراكمة وحينها ستنتصر منظومة القيم الجديدة وتحقق الثورة أهدافها من عدل وحرية ومساواة.