احتجاجات الجزائر سياسية أم اقتصادية؟

حالة من الغليان الشعبي تضرب الجزائر تعددت الآراء حول مسبباتها، فهناك من يقول إنها ناتجة عن أجندات سياسية، بينما يرى آخرون أن وراءها أسبابا اقتصادية، وتبقى النتيجة واحدة، وهي أن هناك احتجاجات تملأ بعض الشوارع الجزائرية.

الرواية الرسمية

اتهم وزير الداخلية الجزائري، نور الدين بدوي، أطرافاً لم يسمها بـ”محاولة زرع الفتنة وخلق البلبلة والفوضى في الجزائر”، وقال بدوي، في تصريحاته، أمس الثلاثاء، إن هناك أطرافا لم يذكرها تحاول زعزعة استقرار الجزائر والمساس بأمنه.

كما توعد الوزير الجزائري، بـ”الرد بقوة على كل من تسول له نفسه ضرب أمن الجزائر”، مشددا على أن الدولة “وبكل أجهزتها ستحفظ الملكيات العمومية والخاصة وهناك قوانين الجمهورية التي ستحتكم لها السلطات لحماية المواطنين”، وذلك على خلفية إضراب تجار ولاية بجاية، 290 كيلومترا شرق العاصمة الجزائرية، واحتجاجات عرفتها عدة مناطق جزائرية.

بدوي، اعتبر أن الدعوات للإضراب والاحتجاجات هي “فرض رأي بالقوة والعنف وهو أسلوب غير حضاري”، وصرح بأن إضراب تجار ولايات البويرة، وبجاية، وتيزي وزو، جاء بناءً على دعوات تريد فرض منطقها بالقوة والعنف.

وحذّر بدوي من “وجود أطراف كثيرة داخل وخارج البلاد تريد ضرب استقرار البلاد وتعمل على تأجيج النعرات سعيا لزرع التشكيك في نفوس الجزائريين واختبار مدى تمسكهم بوطنهم وقيمهم وثوابتهم” مؤكدا أن هذه الأطراف “لم ولن تبلغ مقاصدها” وأنها “واهمة”.

الرؤية الشعبية

شهدت مناطق جزائرية عدة احتجاجات، وإضرابا للتجار، على خلفية ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية، تلبية لدعوات مجهولة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وقد تجاوبت بعض المناطق مع تلك الدعوات.

وكان مواطنون جزائريين قد استيقظوا، مطلع العام الجاري، على قانون جديد للمالية، كرس رفع أسعار مواد الاستهلاك الأولية على غرار الحليب والبنزين والخبز، الأمر الذي دفع سكان مدينة بجاية، وقرى أخرى في منطقة القبائل، للخروج في مظاهرات مناهضة للنظام، فيما قرر تجار المنطقة غلق محلاتهم احتجاجا على غلاء الأسعار.

وتحت تساؤلات كـ”ماذا فعلتم بمليارات الدولارات، كيف أنفقتموها، وما هي النتائج التي توصلتم إليها؟ أين ذهبت أموال النفط، وما هو المستقبل الذي ينتظر أولادنا؟”، خرج سكان مدينة بجاية الواقعة في منطقة القبائل الساحلية والمناطق المجاورة لها، يوم الإثنين الماضي، في مظاهرة للتنديد بقرار حكومة عبد المالك سلال، رفع أسعار المنتوجات الأساسية.

في المقابل، دعت الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، وهي إحدى أكبر المنظمات الحقوقية بالبلاد، أمس الثلاثاء، إلى عدم الانجرار وراء دعوات العنف والتخريب بعد إضراب للتجار احتجاجا على فرض ضرائب جديدة، صاحبته مواجهات مع الأمن ونهب لأملاك عامة وخاصة، شرقي الجزائر، وطالبت المنظمة الجزائريين بـ”توخي الحذر، وعدم الانجرار وراء مخططات الفتنة، وبضبط النفس لتفادي الانزلاق”، معتبرة أن “الفوضى لا تخدم إلا قوى الاستبداد المعادية للديمقراطية”، داعية “أصحاب الضمائر الحية إلى أن يكونوا واعين لما يخطط في الخفاء مع طيور الظلام”، وهو الموقف الشعبي الذي ينسجم مع الموقف الحكومي.

مناطق الاحتجاجات

لم تقتصر هذه الاشتباكات على مدينة بجاية وضواحيها فحسب، بل انتقلت إلى مدينة البويرة، 130 كلم شرق العاصمة، التي عرفت هي الأخرى مظاهرات عشوائية استدعت تدخل عناصر الأمن، فيما تخشى الحكومة أن تنتقل العدوى إلى مدينة تيزي وزو، وهي عاصمة منطقة القبائل المعروفة بأنها منطقة مسيسة بامتياز، وبعدائها للنظام الجزائري منذ الاستقلال.

تلت المظاهرات اشتباكات عنيفة مع قوات مكافحة الشغب التي استخدمت الغاز المسيل للدموع لتفرقة الشبان الذين أحرقوا بعض المقرات العمومية وشاحنات النقل، وأسفرت المواجهات عن جرح أكثر من 12 شخصا، من بينهم متظاهرون ورجال شرطة وفقًا لمواقع إلكترونية جزائرية.

المطالب

تدور المطالب الشعبية في الجزائر حول تحسين الأوضاع الاقتصادية، بغض النظر عن تهاوي أسعار النفط الذي تعتمد عليه الجزائر بشكل كبير في بنيتها الاقتصادية، فالبعض يقول إن هذه الاحتجاجات تأتي بعد طفرة مالية كبيرة عرفتها الجزائر خلال السنوات العشر الماضية، جنت خلالها أكثر من 800 مليار دولار من صادرات النفط، لكن دون أن تتمكن من تحسين ظروف معيشة الجزائريين، وبالتالي فالاقتصاد الجزائري لم يكن أحسن حالًا عندما كان برميل النفط يتجاوز 100 دولار.

الإجراءات الحكومية

الإجراءات الاقتصادية الأخيرة لحكومة السلال كان لها الأثر الكبير على غليان الشعب الجزائري.

في 28 ديسمبر الماضي، أعلنت الحكومة عن سلسلة من القرارات، أبرزها رفع أسعار بعض مواد الاستهلاك الأساسية على غرار الحليب والبنزين والخبز والمواد الإلكترونية تسديدا للعجز المالي الذي تواجهه الحكومة بعد تراجع أسعار النفط من 110 دولارات في 2013 إلى ما بين 45 و50 دولارا في الوقت الحالي، كما تضمنت الموازنة زيادة الضريبة على القيمة المضافة من 17% إلى 19%، وكذلك الرسوم على العقارات والوقود والتبغ، واستحداث رسم على الأجهزة الكهربائية التي تستهلك الكثير من الطاقة، بالإضافة إلى ذلك قررت الحكومة تجميد التوظيف في القطاع العام، وعدم زيادة الأجور خلال سنوات 2017 و2018 و2019.

ويرى مراقبون أن تسييس الاحتجاجات في الجزائر يصب في صالح الحكومة، خاصة أن الجزائر مقبلة على الانتخابات التشريعية المقررة في شهر أبريل المقبل، ويبدو أن الحكومة تحاول الحفاظ على استقرار السلم الاجتماعي، في الوقت الذي تواجه البلاد فيه تحديات صعبة، أبرزها تراجع مستوى النمو الاقتصادي والفراغ السياسي في أعلى هرم السلطة منذ 2014 بسبب حالة الرئيس بوتفليقة الصحية، إضافة إلى التهديدات الإرهابية.