تجميد آستانه وتعطيش دمشق.. تخريب الهدنة في سوريا انتظاراً للمجهول

تستمر تداعيات استعادة الجيش السوري لمدينة حلب بعد معارك ضارية امتدت على مدار العام الماضي ولم تحسم سوى في أسابيعه الأخيرة، والتي شهدت تركز القتال في أحياء المدينة الشرقية وما صاحب هذا من اتفاقات لخروج المسلحين وذويهم إلى مناطق مختلفة تحملهم إليها الحافلات الخضراء، والتي تركزت واجهتها إلى مدينة إدلب التي يسيطر عليها مسلحي «جبهة فتح الشام»، وما صحب ذلك من فتح لبؤر قتالية بعد حسم حلب في مختلف مناطق سوريا للحد من أثر وتأثير انتصار دمشق على مستويات ميدانية وسياسية وكذلك معنوية وإعلامية، خاصة وأن الهدنة التي أبرمت لخروج المسلحين من المدينة وعلى عوارها وخرقها مرات عدة، لا تزال في صالح تعزيز انتصار الجيش السوري وقطف ثمار انتصاره في حلب.

آخر هذه البؤر كانت بالقرب من العاصمة دمشق، وتحديداً في منطقة «وادي بردى» المشرفة على مصادر المياه التي تغذي العاصمة السورية، ففجر المسلحين خزان «الفجة» الرئيسي الذي يمد العاصمة وضواحيها بالمياه، وقاموا بتلويث مصادر المياه العذبة مما أدى إلى انقطاع المياه عن جزء كبير من مناطق وأحياء العاصمة، كرد فعل عقابي جماعي من جانب المسلحين على تقدم الجيش السوري في مختلف الجبهات، وكذا لمحاولة عرقلة استثمار الهدنة لتكريس هذه الانجازات وبلورتها في أهداف سياسية على مستوى التفاوض الوشيك بين مختلف القوى الإقليمية والدولية حول مستقبل سوريا، والتي إن بدأت في هذه الأيام وبالمعطيات الميدانية الراهنة فإنها بلا شك تميل إلى صالح دمشق وحلفائها، وبالتالي فإن الطرف الأخر يهدف إلى تغيير أو تعطيل هذه المعطيات للوصول إلى موقف يتيح له الجلوس على مائدة المفاوضات وهو يمتلك حدا أدنى من أوراق القوة والضغط التي فقدها ميدانياً طيلة الشهور الماضية.

capture

وعلى أن الأزمة السورية شهدت أمثلة عديدة ومتكررة بشكل سريع التواتر من عشرات الهُدن وإيقاف إطلاق النار والمبادرات وغيرها من حالات الهدوء النسبي منذ اندلاع الأزمة، ولكنها تمحورت في الشهور الأخيرة حول عدم رضا بعض الأطراف الإقليمية والدولية عن معطيات الواقع الميداني والسياسي المضادة لمصالحهم، وإن كان هناك اتفاق ضمني على ضرورة وقف القتال وبدء مفاوضات الحل النهائي، ولكن في نفس الوقت دون موقف أعلى لطرف من الأطراف وبحالة من التوازن تتيح حل وسط و”إنجاز” على مائدة المفاوضات لم يحقق على أرض المعركة. وليس هناك أقرب من وأوضح من مثال على هذا الأمر من غارة دير الزور الأميركية ضد مواقع الجيش السوري في سبتمبر الماضي، والتي أودت بحياة ما يقارب من 100 عسكري سوري وساهمت في تقدم عناصر داعش نحو مواقع القوات السورية، وهو ما أسقط التفاهم الروسي الأميركي حول سوريا والذي بدأ أوائل العام الماضي والذي انتهى بنهاية ولاية إدارة أوباما، والتي لا يصح حسب أبجديات السياسة والحكم في واشنطن أن تتخذ قرارات استراتيجية مصيرية على المدى البعيد لما يتجاوز فترة ولاياتها وخاصة في عامها الأخير، فما كان من بد إلا الإطاحة بالتفاهم والهدنة عن طريق الغارة سابقة الذكر.

وقياساً مع الفارق فإن ما حدث بعد معركة حلب يمكن أن يعتبر تأجيلاً لحسم طويل المدى على مستويات ميدانية وسياسية تفضي إلى ترسيخ واقع يميل في صالح طرف من أطراف الأزمة السورية، وذلك هو السمة العامة في الشهور الأخيرة، وتفاعل كافة أطرافها مع متغيرات ميدانية وداخلية ودولية أدت إلى اجتراح معارك وبؤر قتالية تسعى لتشتيت انتصار الجيش السوري في حلب، وليس لها على مستوى ميداني أو حتى سياسي بوصلة أو استراتيجية واضحة المعالم والهدف سوى تعطيل تكريس هذا الانتصار واستثماره وقطف ثماره على مائدة التفاوض أو في ساحات القتال الأخرى.
من جهة أخرى يمكن القول أن حدود هذه التكتيكات العسكرية التي يجترحها المسلحون من فتح بؤر قتالية أو تشديد الحصار على مدن وقرى تسيطر عليها الحكومة السورية مثل «الفوعة» و«كفريا» المحاصرتان منذ أكثر من عامين على يد المسلحين، والتهديد بتعطيش دمشق وبداية تنفيذ هذا التهديد في الأيام الماضية، وتعطيل الهُدن والاتفاقيات المناطقية حول الإعاشة للمناطق المحاصرة والتبادلية من حيث خروج المدنيين والمسلحين على حد سواء، يصب في النهاية حول هدف استئناف القتال بغير إستراتيجية سوى تعطيل وبخس انتصار حلب، وإعادة سرديات قصف الجيش السوري للمدنيين بالطيران، حيث ركزت الطائرات السورية قصفها لمواقع المسلحين في «وادي بردى» بعد تفجير «الفجة» وتلويث مصادر المياه المغذية لدمشق، وبالتالي تعطيل التعبئة العسكرية والسياسية المدفوعة بحسم حلب، وخاصة بعد تفاهم روسي-تركي على ضرورة وقف إطلاق النار في كل سوريا بالتوازي مع تحضيرات لمفاوضات ستعقد في آستانة عاصمة كازاخستان منتصف يناير الجاري وحملت نفس الأسم، ومالت في بدايتها التحضيرية إلى عكس ما يرتجيه المسلحون ودولهم الراعية فهددوا بإيقافها حتى قبل أن تبدأ في الأيام الماضية خاصة بعد اشتعال الموقف في وادي بردى، وذلك لقصور وعجز المسلحين وداعميهم عن بدء جولة مفاوضات نهائية حاسمة على ما يبدو دون أوراق قوة في ظل امتلاك الطرف السوري – النظام- وحلفائه لأوراق قوة سياسية وميدانية وتمهد لمزيد منها في العام الحالي، بينما الطرف المقابل يتخبط بواقع من التراجع الميداني والسياسي وكذا ظرفية الانتخابات الأميركية وضبابية موقف الإدارة الجديدة تجاه الأزمة السورية وملفات الشرق الأوسط بشكل عام.

14379392055550592_353893_439717_large

وسط هذه الصورة الضبابية والمعقدة يمكن القول أن التصعيد العسكري الذي يهدد الهدنة الأخيرة، والتي كانت حدودها العملية تقاسم نفوذ مشترك على الأرض السورية بين القوى الكبرى إقليماً ودولياً، ما يعني أن التسوية السياسية المزمع بحثها في «آستانة» أوغيرها لن تكون انتصارا ساحقا لطرف على باقي الأطراف، ولكن هي “تسوية” تتفاعل دينامياتها الحالية والمستقبلية داخل إطار تقاسم نفوذ، ما يعني أن الخلاف الحالي بين موسكو وواشنطن، ولاحقاً أنقرة وطهران، ثم تفاهماتهم بعد حسم حلب، ثم خلاف من جديد على كيفية تحقيق التوازن الميداني والهدنة الممهدة للتفاوض، في إطار عام يمثله اتفاق ضمني حول مناطق نفوذ متعددة ومتشابكة على طول خريطة سوريا، سواء بتواجد مباشر، أو عن طريق وكيل محلي مدعوم من كل طرف، جوهره في النهاية ضمان تقارب نقاط القوة والضعف عند بدء المفاوضات واستمرار محاولات حلحلة إنجازات صاحب اليد العليا ميدانياً، أي الجيش السوري وحلفائه. وبالتالي يمكن القول أن ما أقدمت عليه الجماعات المسلحة من حلحلة الهدنة عن طريق معارك وادي بردى وغيرها هو إعادة ترتيب أو إعادة التفاوض على مدى وشكل وجوهر مناطق النفوذ وكيفية إداراتها مستقبلاً وهو الأمر الذي تلتصق بكل تفصيلة فيه بتعقيدات من الصعب حصرها، وتبقى رهن التفاهم حول خطوط عريضة وعناوين كبيرة التمسك بها وإنجاحها يمهد لمرحلة مستقبلية من التفاوض على كافة التفاصيل، والتي اختصاراً هي تفاصيل ملغومة في أكثر من اتجاه ومحور، سواء في الجبهة الشمالية أو الجنوبية أو علاقات دولية وإقليمية، أي يمكن القول أن شيطان التفاصيل الذي تم إخماده طيلة الشهور الماضية قبيل حسم حلب بتفاهمات عامة، لم يقيد لأمديه بعيدة ومتوسطة، حتى وإن كانت كافية وقتها لأن تكون كابح للانزلاق نحو مجهول لا يتوقعه أحد، والذي بات أخيراً مع التصعيد الأخير أمر واقع.