«السيستم واقع».. رحلة معاناة في مكتب التموين بالعمرانية

على شباك صغير يحتشد عشرات المواطنين ممسكين بصور لبطاقات الرقم القومي، ويقف أمامهم موظف يأخذ ما  في أيديهم، ويطلع على أوراقهم سريعًا، ثم يطلب نسخ ضوئية من المستندات، فيضطروا للذهاب إلى «ماكينة التصوير» خارج المكتب، حيث يدفع المواطن ما تبقى في جيبه من «الفكة»، وآخر ما لديه من «طولة بال».

فمنذ بدء توزيع بطاقات التموين الذكية، حازت منطقة العمرانية بمحافظة الجيزة نصيب الأسد من البطاقات التي تأخر صدورها، لسبب أو لآخر، بحسب مصادر داخل وزارة التموين والتجارة الداخلية، كما شهدت الكثير من المشكلات الفنية، التي ظهرت جليًّا خلال الفترة الماضية، حينما توقف عمل البطاقات المسجلة بها فجأة مؤخرًا، دون سابق إنذار.

بالتوجه إلى مكتب تموين العمرانية 1، حيث تزاحم المواطنون هناك لـ«تحديث بياناتهم».. تقول هبة السيد، ربة منزل: الزحمة دي بتاعت كل يوم.. نأتي وننتظر بالساعات، وفي الآخر لا نقضي المسألة التي جئنا من أجلها، متابعة: البطاقة توقفت فجأة عن العمل، ونشطناها عدة مرات، وعندما أذهب إلى المخبز يخبروني أنها لم تُفعل، ولا أعلم أين المشكلة.

ويأخذ منها طرف الحديث أحمد الحسيني، موظف، فيقول: يجب أن تصرفي حصتك في السلع التموينية أولًا لكي تفعلي نقاط الخبز، ومن الممكن أن تكون البطاقة تلفت نتيجة تنشيطها أكثر من مرة، معقبًا: أصبحت أحضر إلى المكتب يوميًّا، فقد حصلت على إجازة من العمل خلال الفترة الحالية لأجل الانتهاء من مشكلة بطاقة التموين.. ومش عارف أعمل إيه.

ويتابع الحسيني: عاوز أضيف ابني للبطاقة، وقدمت ورقة من شهور ولسه ما اضفش، ومش عارف المشكلة فين بالضبط، رحت المكتب الرئيس في شارع السودان، قالوا لي روح مكتب التموين اللي انت تابع ليه، ودلوقت بصرف بورقة طلعوها لي من المكتب بعدد الأفراد، بس تاجر التموين بتاعي قال لي إن الصرف بالبطاقات الورقية والورق ده هيتوقف الفترة اللي جاية، والعيشة غليت ومش مستحملين زيادة مصاريف في الأكل.

وتروي الحاجة زينب معاناتها في محاولة رفع اسم زوجها المتوفى من المستحقين على البطاقة: زوجي توفى وعاوزة أعدل عدد الأفراد على البطاقة؛ لأنهم قالولي البطاقة هتتوقف عن الصرف لو ما تمش تحديث البيانات، والدنيا زحمة زي ما انت شايف، وأنا مش حمل وقفة طويلة، وربنا يعنا.

أما وفاء السيد، ربة منزل، فتناولت مشكلة غريبة قائلة: احنا 5 أفراد في الأسرة، وتأخرنا زي كتير لغاية ما طلعت لينا بطاقة التموين، بس استلمنا البطاقة وهي مسجلة 9 أفراد على نقاط الخبز، و3 أفراد على التموين، ومش عارفة الخطأ ده جه منين، أنا طلعت ورقة عشان نصرف التموين من المكتب بس دلوقت بيقولونا لازم نحدث البيانات.

ويؤكد حديثها الحج حسين، بالمعاش، الذي يعاني من المشكلة نفسها، فيقول: إيه ذنبنا في اللخبطة دي، الموظفين في المكتب قالوا لي إنه هتتعمل مراجعة، وهيظبطوا المشكلة دي تلقائي، ودلوقت قالوا لي أروح المكتب اللي في شارع السودان، احنا مش مسؤولين عن الخطأ ده، هما قالولنا ندفع حوالة ونعمل الإجراءات وعملناها، المسؤول الشركة اللي طلعت البطاقات.

وفي الأثناء تبدأ «مشادة» بين أحد الموظفين ومواطن، سرعان ما يحتويها من حوله، ليتراجع عن «الشباك» وهو يتمتم بعبارات، فيقول: حسبنا الله ونعم الوكيل.. أنا دايخ بين أبو النمرس وهنا، عاوز أطلع بطاقة، وكل ما أروح مكتب يقولوا لي إنت تبع التاني، لغاية ما دخت، مكملًا: المفروض بطاقات التموين الذكية دي خدمة تسهل على الناس بدل الورقية مش تتعبهم أكتر.

وتبدأ موظفة في المناداة على أسماء أصحاب البطاقات التي تم تنشيطها، فيسارعون للحصول عليها.. «أنا بقالي هنا أكتر من 3 ساعات» يقول أحدهم، متابعًا: دي تاني مرة أنشط البطاقة، وكنت صرفت بيها التموين، لكن مصرفتش خبز، هروح أجربها تاني وربنا يسهلها المرة دي.

ويخرج من باب الغرفة المغلقة أحد الموظفين، الذي وافق على الحديث دون الإشارة إلى اسمه: لا أبالغ حين أقول إننا نتعامل مع مئات المواطنين يوميًّا في المكتب، فما بالك بباقي مكاتب منطقة العمرانية، ولا يمكن إنكار أن هناك العديد من المشكلات التي وقعت في بطاقات التموين، وهي خارجة عن إرادتنا، وتُسأل فيها الشركة التي تولت إصدار البطاقات.

وتابع: الوزارة بدأت تنفيذ مشروع لتقديم خدمات البطاقة عن طريق الإنترنت، وده هيخفف الضغط علينا في المكاتب، ويمازحه أحد الواقفين قائلين: يعني لازم أدخل على الفيسبوك عشان أصرف التموين.. وفي حين يعلو صوت إحدى الموظفات من داخل الغرفة: يا جماعة احنا هنسلم البطاقات اللي اتنشطت ومش هنستلم جديد عشان السيستم «النظام الخاص بالبطاقات وقع»، ويستقبل الواقفون الأمر باستهجان، ولا يجدون أمامهم سبيلًا سوى الحضور في مبكرًا في اليوم التالي.