وائل شلبي لم ينتحر

(1)
المستشار وائل شلبي لم ينتحر، لقد نحروه.. تخلصوا منه داخل الحجز حتى لا يفضح باقي الكبار.. “البكرة هتكر وتجرجر ناس تقيلة أوي”!.. هل من المعقول أن ينتحر مستشار هاديء الأعصاب، لمجرد اتهامه في قضية رشوة، مع أن التحقيقات لم تثبت عليه شيئا بعد؟، وكيف تمكن من شنق نفسه بكوفية؟.. ما طول هذه الكوفية، وكيف علقها في مكان مرتفع، وأين الحرس؟.. هل كان بمفرده، أم هناك آخرين حوله؟.. لو كان معه آخرين لما تمكن من الانتحار، ولو كان بمفرده فإن ذلك يثير الشكوك أكثر، لأنه في حجز إداري وليس في غرفة فندق!

(2)
هذه عينة من التعليقات المتوقعة للناس على خبر انتحار الأمين العام لمجلس الدولة، وقد زادت الشكوك والتكهنات بعد قرار النائب العام بحظر النشر في القضية، مع أنها قضية أموال عامة، يعني احنا المسروقين ومحظور علينا نتابع التحقيقات مع اللصوص ومن يعاونهم!!، على أي حال فإن المقال لا علاقة له بالتحقيقات الجارية في القضية، ولكن بظاهرة الشك الشعبي في أي خبر أو بيان يصدر عن السلطات المسؤولة.. هناك حالة من الريبة والتشكيك تنطلق تلقائيا بين الناس، وكأنها لا تصدق السلطة حتى لو قالت أن السمك يعيش في الماء، والمطر يسقط من السماء، وهذه الفجوة هي ما تشغلني، ولا أظنها تخضع لقرار حظر النشر.
(3)
أثناء دراستي الجامعية كنت وزملائي نطلق على العلامة الكبير عبد العزيز صالح لقب “الدكتور أغلب الظن”، لأنه كان ينبهنا دوما أن كثير من المعلومات التي نتصورها حقائق في علم الآثار وعلم التاريخ أيضا، ليست إلا نظريات احتمالية قد تكون صحيحة وقد تكون خاطئة، لذلك كان يستخدم تعبير “أغلب الظن” قبل ترجيح أي فرضية على أخرى، وبعد التخرج تحولت ملاحظة الدكتور صالح من كلمة لتندر الطلاب المشاكسين إلى منهج تفكير، يشبه “مبدأ الشك” الذي أسسه عالم الفيزياء الشهير هايزنبرج في عشرينيات القرن الماضي، واعترض عليه أينشتاين بشدة مرددا عبارته الشهيرة: “إن الله لا يلعب النرد” أي أن العلم يجب أن يكون مجموعة من الحتميات لا تقبل أظن أو ربما، فلا مجال للصدفة والاحتمالات في الواقع، لكن الجدال بين العلماء تصاعد بشدة، حتى مؤتمر سولفاي عام 1927 الذي حسم انتصار قانون الشك لهايزنبرج، وفشل أينشتاين لمدة 27 عاما في إثبات وجهة نظره حتى مات في عام 1954.

(4)
إذا كان الشك يحدث في قوانين الفيزياء وفي الرياضيات وكل مجالات العلوم الطبيعية الصارمة التي عاشت قرونا تحت وهم الحتمية والحقيقة، فمن الطبيعي والعقلاني أن نقبل بوجود الشك في تصريحات السياسيين، وأخبار الإعلام، والظواهر النفسية والاجتماعية التي تحيط بنا، فالأقدمون قالوا في تعريف الشك إنه تقارب أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر، والتردد بين طرفي نقيض، أو كما قال الرازي: أن يبقى الإنسان حائراً بين النفي والإثبات، وهذه هي الحالة التي نعيشها في مصر بعد انهيار الحدود الفاصلة بين الصدق والكذب، بحيث لم تعد هناك مزية واضحة بين الطرفين، فالشيء ونقيضه محتملان؛ لأن هناك من يصدق الشيء وهناك أيضا من يصدق عكسه: 25 يناير ثورة.. 25 يناير مؤامرة، عمر سليمان مات.. عمر سليمان حي وسوف يعود، السيسي بطل.. السيسي خائن.. وائل شلبي انتحر.. وائل شلبي نحروه..!

(5)
عندما فكرت في سرعة الشك التي نقابل بها الأحداث والأخبار، تضايقت من تفشي الظاهرة؛ لأننا أصبحنا نشك في كل ما تعلنه السلطة: الدولار سينخفض، سنعالج ارتفاع الأسعار خلال شهرين، اصبروا 6 أشهر وسوف تتحسن الحياة.. إلى آخر هذه الوعود التي صرنا نشك فيها بمجرد سماعها، ليس لأنها غير منطقية، وليس لأنها غير قابلة للتحقق، بل لأن وراءها تاريخ من الكذب والحنث بالعهود، وبالتالي فإن هناك مبررا موضوعيا للشك، وهو أن المتحدث معروف عنه الكذب، حتى لو نطق في بعض المرات صدقاً، فهل يعني ذلك أن ظاهرة الشك التي تجتاح مجتمعنا، هي أوضح دليل على انعدام الثقة في الحكام والمسؤولين وفي العالم المتآمر من حولنا؟!

(6)
تذكرت مبدأ الشك عند الفيلسوف رينيه ديكارت، الذي شاع اختصارا في كوجيتو: “أنا أشك إذن أنا موجود”، فالشك عند ديكارت لا يعني مثلا أنه عانى من تصريحات الوزراء الكاذبين، أو فقد الثقة في حكام يتعهدون بما لا يفعلون، لكنه خطوة ضرورية للوصول إلى اليقين، حيث لا يستثني ديكارت أي شيء من لزوم الشك فيه، حتى حواديت الجدة العجوز وأساطير العالم القديم وغوامض الميتافيزيقا، كل شيء لابد أن يبدأ بالشك.. الطبيب الشرعي يجب أن يشك في أن وفاة وائل شلبي جريمة قتل، ويسعى لإثبات ذلك فلا يجد إلا ظروف انتحار، وكما قال ديكارت معللا منهجه: هناك أحكام كثيرة تسرعنا في إصدارها باعتبارها حقيقة ثم اكتشفنا خطأها بعد ذلك، تاريخ العدالة يتضمن عشرات البشر الذين حُكم عليهم بالإعدام ثم ثبتت براءتهم بالصدفة، بعد اعتراف مجرمين آخرين بارتكاب الجريمة، ولهذا يجب أن نفرق بين الشك الذي يثير البلبلة ويزيد الغموض والضبابية والعدمية، والشك المنهجي الذي يفضي بنا إلى الحقائق والمحاسبة.

(7)
تطبيقا لذلك، سواء كنت ممن يعتبرون يناير ثورة أو مؤامرة، فإنني أشك في أن هناك من قتل المتظاهرين عمداً، وبما أن الشك محصور بين الأجهزة الأمنية وبين جماعة الإخوان أو أجهزة مخابرت خارجية؟، فلابد أن نواصل الشك في هذه الأطراف ونسعى بكل قوة لإثبات التهم عليها، حتى تتبين الحقائق، وكذلك فإنني يجب أن أشك أن تدني أحوال المعيشة وراءها نظام عميل لقوى احتكارية ورأسمالية متوحشة تريد أن تمتص دماء الشعب، ويجب أن نتوسع في هذا الشك حتى تثبت التهمة على النظام أو المافيا التي تتحكم فيه أو تثبت براءتهم واكتشاف المجرمين الحقيقيين، وبهذا الأسلوب يجب أن تشك كل الأجهزة المختصة في أن هناك مجرما وراء ارتفاع الدولار، وجنون الأسعار، وانهيار المرافق والخدمات، وتعذيب المواطنين في السجون، وأيضا وراء انتحار وائل شلبي.

(8)
إن المرض الذي ابتليت بها مجتمعاتنا هو التسليم بطاعة أولي الأمر “طاعة عمياء”، واستسهال تصديق الأخبار والمعلومات وما يأتي في الأخبار والكتب باعتباره “يقين” وحقيقة نهائية”، لكن يبدو أن زمن الانبطاح تحت البديهيات قد بدا طريقه في الرحيل، وأننا أمام أجيال متشككة.. غير مصدقة.. باحثة عن الحقيقة وسط الأخبار المموهة بالتفاسير الخبيثة والأكاذيب المتعمدة، ولكي نستفيد من هذه الظاهرة “الديكارتية” علينا أن نعمل بنصيحة الجاحظ في مؤلف “الشك واليقين” والذي جعل اليقين سمة “العوام” الذين يصدقون ما يملى عليهم، والشك سمة “الخواص” الذين يفندون كل قول، وهذا يعني باختصار أن هناك فئات واسعة من الناس أنضجتها حالة الثورة، وارتفعت لديها حاسة النقد الاجتماعي والسياسي، ولم تعد تقبل بما تبثه القنوات الرسمية كمسلمات، بل تواجه ذلك بعلامات الاستفهام، وبالتمحيص، وبالنفي حتى تجبر الأجهزة على تقديم ما يثبت صحة كلامها، وهذا يعني اتساع مساحة الضمير الجمعي، ورغبة المواطنين في مراقبة قضاياهم بوعي، أظنه سيضيف الكثير إلى حلم دولة المواطنة..

(9)
الخلاصة: لا تخجلوا من شكوكم، فقط ضعوها في إطار التحقق المنهجي، تفاءلوا بقدرتكم على حصار ومراقبة كل مسؤول بالأسئلة، وتشككوا فيهم حتى يتبين الصادق من الكاذب، والشريف من الفاسد..
قال اسكتوا واسمعوا كلامي قال.. مش هنسكت
جمال الجمل
[email protected]