المطران كابوتشي.. وجه المسيحية المقاوم ضد الكيان الصهيوني

تحاول العديد من الدول ذات الأجندات الاستخبارية إشعال الفتن الطائفية بين المسلمين والمسيحيين وتعميق الخلافات بينهم، كما حدث مؤخرًا في التفجير الإرهابي الذي طال الكنيسة البطرسية في القاهرة، وتبناه تنظيم داعش الإرهابي، وغالبا ما يكون هدف الهجمات الطائفية والمذهبية من هذا النوع، هو إحداث شرخ مفتعل في بنية المجتمعات العربية لتوجيه أنظارها بعيدا عن عدو آخر.

كابوتشي وتصحيح البوصلة:

في الأمس غيّب الموت مطران القدس في المنفى والنائب البطريركي العام للقدس المطران هيلاريون كابوتشي في العاصمة الإيطالية روما، عن عمر يناهز 94 عاماً بعد مسيرة حافلة بالمواقف الوطنية، شخصية كابوتشي لم تكن عادية، وكلما زادت محاولات الكيان الصهيوني في طمس هذا الشخصية المقاومة، نعلم أن هناك أبعاد يحاول هذا المحتل إخفائها، فكثيرًا ما يحاول هذا الكيان السرطاني تصدير مشهد الصراع في فلسطين المحتلة وكأنها مشكلة بين المسلمين واليهود، ولكن مواقف كابوتشي سلطت الضوء على أن انتهاكات العدو الإسرائيلي لم تميز بين مسجد وكنسية، حيث أعلن المطران الراحل انحيازه للمقاومة الفلسطينية ودعمها بالسلاح والكلمة، فالمطران كابوتشي من مواليد مدينة حلب عام 1922 وأصبح مطراناً لكنيسة الروم الكاثوليك في القدس عام 1965.

المنصب الديني الذي تقلده كابوتشي لم يمنعه من العمل على تزويد المقاومين الفلسطينين بالأسلحة مستندا على حرية الحركة الممنوحة لرجال الدين. وفي أعقاب معلومات عن تحركات المطران، أصبح جهاز الأمن العام الإسرائيلي يراقبه، واتضح بفضل إجراءات التتبع هذه في شهر أغسطس عام 1974 أن سيارته المحمَّلة بالمتفجرات تسير في ظروف مثيرة للشبهة باتجاه القدس وأن كابوتشي نفسه ومساعده يستقلانها، وتقرر إيقاف السيارة فورا خشية انفجار المتفجرات بداخلها، ونُقلت السيارة ومَن فيها إلى مركز الشرطة في القدس المحتلة، حيث وجد في السيارة 4 رشاشات كلاشينكوف ومسدسان وعدة طرود تحتوي على متفجرات بلاستيكية وصواعق كهربائية وقنابل يدوية وما إلى ذلك.

وعند التحقيق معه أنكر كابوتشي بداية ضلوعه في عملية التهريب مدعيا بأنه تم نقل الوسائل القتالية إلى سيارته دون علمه، غير أن مغلفا عُثر عليه لدى تفتيش أمتعته كتب عليه بخطه رقم المسؤول الفتحاوي أبو فراس في لبنان أثبت ضلوعه في هذا المخطط.

واعتقلته قوات الاحتلال الإسرائيلي في عام 1974 وحكمت عليه بالسجن 12 عاماً بتهمة دعم المقاومة لكنها أفرجت عنه بعد 4 سنوات بضغط من الفاتيكان وقامت بنفيه من فلسطين المحتلة عام 1978 إلى روما، ولشدة انحيازه للقدس، قال حينها أنه يرغب في أن يقضي عقوبة السجن كاملة على أن يبعد عن القدس.

 ورغم النفي والإبعاد واصل المطران كابوتشي نضاله من أجل الشعب الفلسطيني وشارك في عام 2009 في أسطول الحرية لإغاثة أهالي غزة المحاصرين الذي أوقفته سلطات الاحتلال وصادرت كل ما فيها وطردت الناشطين إلى لبنان كما شارك في أسطول الحرية على متن سفينة مافي مرمرة عام 2010.

 وشارك المطران كابوتشي في العديد من الوقفات التضامنية التي جرت في المدن الإيطالية بهدف التأكيد على دعم الشعب السوري في مواجهة الإرهاب والمطالبة بوقف العدوان الخارجي على سوريا وكرمته العديد من الدول العربية.

الانتهاكات الإسرائيلية لمسلمي ومسيحيي القدس:

الكيان الصهيوني يمارس اضطهاده الديني ضد المسيحيين والمسلمين على حد سواء، حيث قال الأمين العام للتجمع الوطني المسيحي في القدس “ديمتري دلياني”، إن انتهاكات الاحتلال للحقوق الدينية للفلسطينيين بالقدس تتصاعد بوتيرة غير مسبوقة، وجاء ذلك في إطار مخطط للسيطرة على الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية، وإحلال اليهود الإسرائيليين فيها، خاصة في المسجد الأقصى، وأضاف دلياني في وقت سابق أن عملية منع المصلين المسلمين والمسيحيين من الوصول بحرية إلى المسجد الأقصى وكنيسة القيامة تحت ذرائع واهية، وفي نفس الوقت تسهيل وصول المستوطنين إليها، يمثل أحد أشكال الاضطهاد الديني الذي يواجهه كل من هو غير يهودي بالقدس، في ترجمة واضحة للطبيعة العنصرية للاحتلال.

الدور المسيحي في مقاومة الاحتلال بكل أشكاله وأنواعه كان له تاريخا حافلا، فجول جمال السوري الجنسية أيضا مثل كابوتشي، كان ينتمي لأسرة مسيحية أرثوذكسية، وعندما علم جمال بأن البارجة والمدمرة الفرنسية جان بار تتقدم نحو السواحل المصرية تطوع في قيادة عملية بحرية للزوارق الطوربيدية المصرية في البحر الأبيض المتوسط شمال البرلس يوم 4 نوفمبر عام 1956 إبان العدوان الثلاثي على مصر، مدافعا ببسالة ومسجلا نفسه شهيد للوطن العربي ككل.